ثقافة الاعتذار فى الاسلام

ثقافة الاعتذار فى الاسلام
ثقافة الاعتذار فى الاسلام

الاعتذار وأهميته

الاعتذار هو من الأخلاق النبيلة التي يصدرها شخص ما لبُبرر خطأً اقترفه بحق شخص أو مجموعة من الأشخاص، وربما بحق شعب بأكمله، فارتكاب الأخطاء هو سمة من سمات البشر، فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى، وللأسف لا يجيد العديد من الأشخاص تقديم الاعتذار، وذلك لجهلهم بأهمية هذا التصرف وما قد يعقبه من راحة للنفس، فقد يؤدي عدم الاعتذار لعواقب غير محمودة من شأنها زيادة الأحقاد والضغينه بين الناس، وعند التدقيق نجد أن ديننا الحنيف أكد على التوبة والاعتذار بجميع أشكاله وأسبابه، وللأسف المجتمعات الإسلامية اليوم مع ابتعادها عن دينها إلا من رحمه الله أصبح لديهم الاعتذار كأحد أشكال الخنوع والإذلال بحق بعضهم في حين أن دينهم يحثهم على ذلك، وقد ورد في أكثر من موضع في القرآن الكريم أن ثمة أنبياء اعتذروا لله رب العالمين وطلبوا منه المغفرة، في حين نجد أن الاعتذار هو أحد سمات الثقافة في المجتمعات الغربية ومجتمعات الشرق الأقصى، فهم يملكون الشجاعة لمراجعة الذات والاعتراف بالخطأ، وقد يكون ذلك أحد أسباب تقدمهم وازدهار بلادهم، وكما ذكرنا فلا يقتصر الاعتذار على الأشخاص، فقد تعتذر دولة لدول أخرى قد أخطأت بحقها واحتلتها سابقًا، كما فعلت اليابان مع دول جنوب شرق آسيا، وبالتالي فقد يكون أحد أهم عوامل عودة الأمة الإسلامية لسابق عهدها هو تبنيها ثقافة الاعتذار التي حثهم عليها دينهم الحنيف، وما له من أهمية في محاسبة النفس ومراجعة الأخطاء.[١][٢]


ثقافة الاعتذار في الإسلام

دلت المواقف التي حدثت مع الأنبياء وذكرها الله تعالى في القرآن الكريم على أن الاعتذار هو سمة من سمات الكبار، ومن أعظم من الأنبياء والرسل كبشر عندما يطلبوا المغفرة من ربهم، وهو ما سنسلط الضوء عليه في الأمثلة الآتية:[١]

  • قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الرجل الذي وكزه في المدينة فقضى عليه، فطلب المغفرة من ربه على فعله، وقد ذُكرت القصة في القرآن الكريم، قال تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}،[٣]، وفي الآية التي تلتها طلب سيدنا موسى المغفرة، وأدرك خطأه وطلب الرحمة، قال الله تعالى:{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}،[٣]
  • قصة سيدنا آدم عليه السلام عندما أكل هو وزوجه من الشجرة التي حرمها الله عليهما، فطلب المغفرة من الله، وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}،[٤]


الاعتذار قوة وليس ضعفًا

من الطبيعي أن يواجه الإنسان في حياته الأيام السعيدة والأيام الحزينة، فمزاجه وانفعالاته لا يمكنها أن تبقى على حالها، الأمر الذي قد يعرّضة أحيانًا إلى الإساءة للآخرين، وقد تكون الإساءة لفظية أو اعتداء على حقوق أو إهانة وغيرها، وللأسف الكثيرون بدل أن يقدموا الاعتذار يقدموا الأعذار ويبرروا لأنفسهم هذا الخطأ بطريقة أو بأخرى، ويرون أن الاعتذار هزيمة أو ضعف أو انتقاص من مقامهم وشخصيتهم، وللأسف ما من ثقافة اعتذار تتبناها المجتمعات في العديد من دول العالم، والتسليم بأنهم يخطئون تارةً ويصيبون تارةً أخرى، وفي المجتمعات العربية ومع زيادة الضغوطات السياسية والمادية والاجتماعية التي تعصف بها أصبح من الصعب تقبل الاعتذار وتبنيه على مختلف الاصعدة السياسية والاجتماعية والشخصية، فالاعتذار في جميع هذه الأصعدة من شأنه أن يزيل الغضب ويداوي الجروح، وأخيرًا الاعتذار وما يتبعة يعكس الرقي والتحضر، ويعد تحملًا للمسؤولية ومهارة للتواصل مع الآخرين، فما أجمل من أن يعتذر مسؤولًا سياسيًا لشعبه عندما يخطئ بحقهم ويتنحى، وما أجمل من تعتذر المرأة لزوجها أمام أبنائها أو العكس، وما أجمل من أن يعتذر الطالب من زميله.[٥]


ثقافة الاعتذار وطرق تعزيزها

ثقافة الاعتذار من المفترض أن تشمل جميع الفئات العمرية أطفالًا وكبارًا، ولكن التركيز على تعزيز هذه الثقافة عند الأطفال قد يكون لها أهمية لا سيما أنهم سيكبرون ويقودون المجتمعات، فيعوضون الأمة ما فاتها في زمن التردي والانحطاط الفكري والديني الذي استمر عقودًا وما يزال قائمًا، وفيما يأتي بعض النصائح التي من شأنها أن تعزز هذه الثقافة لدى الأطفال، هي كالآتي:[٦]

  • يعزز الآباء أو الأمهات من ثقافة الاعتذار عند أبنائهم من خلال مساعدتهم على تهدئة أنفسهم عند ارتكابهم سلوكًا خاطئًا، فقد يشعر الطفل بالغضب ويفقد السيطرة على نفسه في حالة كهذه، وبالتالي فالحالة تستوجب الصفح بالدرجة الأولى، ومن الخطأ أن يُجبر الطفل على الاعتذار، فالأسلم أن يفهم خطأه ويعتذرعنه بدافع ينبع من ذاته، الأمر الذي يعزز لديه التعامل مع أخطائه بطريقة صحيحة، وشيئًا فشيئًا يستطيع صياغة مواقفه مع الآخرين في مدرسته وعمله مستقبلًا، وحتى مع زوجته.
  • يعزز الوالدان ثقافة الاعتذار عند أبنائهم باعطائهم المجال للتحدث والتعبير عن أخطائهم، فقد يكونوا على حق في تصرفهم، ولكن لجهلهم اعتبروا ما قاموا به سلوك خاطئ، وفي هذه الحيثية يتعلم الأبناء التمييز بين المواقف الصحيحة أو الخاطئة.
  • يعزز الوالدان ثقافة الاعتذار عند أبنائهم بتشجيعهم على التعاطف والتسامح مع الآخرين، فبعد تحليل الخطأ الذي ارتكبه الطفل بحق الآخرين يناقش الوالدين الطفل بأهمية خطأه وكيف لو كان هو من تعرض لأمر كهذا، بالتالي سيقدر حجم خطأه، ومستقبلًا سيتجنب الوقوع فيه.
  • يعزز الوالدان من ثقافة الاعتذار عند أبنائهم من خلال بمراجعة مواقفهم التي أخطأوا فيها، والطلب منهم التفكير فيما لو أن الزمن عاد إلى الخلف فماذا سيكون موقفهم، الأمر الذي له أهمية في التفكير والتدبر فيما فعلوه، بالاضافة لضبط مشاعرهم والتحكم بتصرفاتهم مستقبلًا.


فن الاعتذار

اقترح عالما النفس ستيفن شير وجون دارلي أربع خطوات أسموها فن الاعتذار، وهي كالآتي:[٧]

  • الخطوة الأولى: التعبير عن ندم المخطئ وإيضاح الموقف بتفصيل، فكلمة "آسف" هي تعبير عن ذلك، ويفضل أن تقترن بسبب الخطأ، كأن نقول "أنا أعتذر منك لسوء التصرف الذي بدر مني اليوم".
  • الخطوة الثانية: معرفة ما هي تبعات الخطأ الذي حصل من باب تحمل مسؤوليته، فقد يكون الخطأ قد أضر بشخص ضررًا كبيرًا، ويكون ذلك بوضع المخطئ نفسه مكان الذي وقع عليه الضرر.
  • الخطوة الثالثة: تعويض من وقعت عليه الإساءة، فقد يكون التعويض بالاعتذار فقط، وقد يكون التعويض ماديًا، وطريقة التعويض في النهاية تعتمد على الموقف الذي حصل.
  • الخطوة الرابعة: بث رسالة اطمئنان لمن وقعت عليه الإساءة، ووعده بأن هذا الموقف عارضًا ولن يتكرر.


المراجع

  1. ^ أ ب "الاعتذار من شيم الكبار "، islamway، 26-10-2013، اطّلع عليه بتاريخ 4-11-2019. بتصرّف.
  2. غنية عبدالرحمن النحلاوي (9-11-2014)، "كليم الله موسى: شجاعة الكلمة وسكينة الرحمن"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 5-11-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب سورة القصص ، آية: 15.
  4. سورة الاعراف، آية: 22- 23.
  5. "الاعتذار قوه وليس ضعف ؟؟"، alwatanvoice، 26-3-2012، اطّلع عليه بتاريخ 5-11-2019. بتصرّف.
  6. "نصائح عملية.. كيف تعلم أطفالك ثقافة الاعتذار؟"، aljazeera، 16-4-2019، اطّلع عليه بتاريخ 4-11-2019. بتصرّف.
  7. "ثقافة الاعتذار: ليس الأمر كله جملة «أنا آسف» فقط.. فهناك أشياء أخرى أهم"، arabicpost، 23-1-2019، اطّلع عليه بتاريخ 5-11-2019. بتصرّف.

560 مشاهدة