شرح حديث من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٠:٠٧ ، ٢ يوليو ٢٠٢٠
شرح حديث من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا

فضل شهر رمضان

شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام وقراءة القرآن، وفيه عتق من النار، وغفران من رب العباد، وتكثر فيه الصدقة والإحسان للعباد، ويضاعف الله فيه حسناتهم، وهو الشهر الذي أمر الله الناس بصيامه وجعله ركنًا من أركان الإسلام، فليلة فيه خير من ألف شهر، وفيه تطهير للنفس، وارتقاء للأخلاق المقيتة كالبطر والبخل، وفيه يعرف العبد ربه ويُذكر بنعم الله عليه، وفيه إشارة لحاجة الفقراء الذين لا يجدون الطعام إلا بشق الأنفس، فيشعر بشعورهم ويحمد الله على عطائه ورضاه، فيتحفز المسلم على مواساة الفقراء من المسلمين فيحسن إليهم ويعينهم على مصاعب الحياة ومشاقها.

وجميع ما سبق ذكره عن فضل صيام شهر رمضان المبارك ذكره الله سبحانه وتعالى وربطه بالتقوى التي تشمل جميع السبل للتقرب إلى الله وطاعته، والإقدام على ما أمر به الله، وترك ما نهى عنه، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[١]، كما ذكرت السنة النبوية الشريفة فضل الصيام ووصفته بأنه وجاء للصائم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ، فإنَّه له وِجَاءٌ][٢]، وقد ورد الحديث في الصحيحين وفيه طمأنة للمسلمين بأن من يصوم رمضان مؤمنًا محتسبًا يغفر الله له ما تقدم من ذنوبه، وهو الحديث الذي سنسلط الضوء على جنباته ومقاصده في الفقرات اللاحقة.[٣]


شرح حديث من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [مَن صامَ رمضانَ وفي لفظٍ: مَن قامَ شَهْرَ رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا، غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ، ومَن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ من ذَنبِهِ][٤]، وفيما يأتي شرح لهذا الحديث:[٥]

  • يبين الحديث الشريف فضل صيام شهر رمضان العظيم، وقد خُصص هذا الفضل لمن صام الشهر إيمانًا واحتسابًا، فينال المغفرة من الله فيما تقدم من ذنبه، فالمسلم في هذا النهج يؤمن بذلك ويصومه من باب الواجب، ويكون معتقدًا بفرضيته، ويحتسب أي يطلب من الله أن يثيبه ويغفر له.
  • يبين الحديث الشريف أن أسباب المغفرة كثيرة في رمضان، وقد دل الحديث على الإيمان والاحتساب، في حين دلت أحاديث أخرى على غيرها من الأسباب أولها قيام رمضان، كما ورد في الحديث السابق، وثانيها الابتعاد عن الكبائر من الذنوب لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ ما بيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ].[٦]
  • يبين الحديث الشريف أن التوبة إلى الله تكون بجميع الذنوب، وهي واجبة على المسلم في رمضان وفي غير رمضان، فيجدد المسلم توبته دائمًا، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [واللَّهِ إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إلَيْهِ في اليَومِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً].[٧]


الإيمان والاحتساب في شهر رمضان

يقدر علماء الشرع أن ثمة سر في كلمتي الإيمان والاحتساب الواردتين في حديث من قام رمضان، وقد تكررت الكلمتان في حديثين آخرين هما؛ حديث قيام شهر رمضان وحديث قيام ليلة القدر، فقد جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم شرطًا واضحًا وضروريًا لقبول طاعة العبد في رمضان، وبالتالي حصوله على مغفرة ما تقدم من ذنبه، وفيما يأتي تفصيلًا لهذين الشرطين:[٨]

  • الشرط الأول: وهو أن الله سبحانه لا يقبل الطاعة من عبده إلا بعد اكتمال إيمانه، فلا بد من الاعتقاد الجازم بالألوهية، وبالتالي سيعتقد بالفرائض والواجباب والنواهي، فللأسف قد نجد بعض الأشخاص الذين يفعلون أعمالًا تشبه في مضمونها الطاعات أو العبادات، ولكنهم لم يفعلوها من باب عبودية الله ونزولًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، إذ قد يكون الدافع ماديًا أو معنويًا، وهو ما يخالف هذا الشرط.
  • الشرط الثاني: وهو الشرط الذي يتماشى مع خصوصية هذا الشهر الفضيل، فقد يرائي الإنسان في العديد من العبادات، ولكن الصيام لا مراءاة فيه، فلا يطلع على الصيام إلا الله، وعليه فإن الإخلاص فيه شرط أساسي لقبوله عند الله، وبالتالي يكون الاحتساب فيه لوجه الله خالصًا لنيل الأجر والثواب من الله وحده.


أبواب الرحمة في رمضان

يفتح الله للعباد أبواب الرحمة في شهر رمضان، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [إذا دخَلَ رَمضانُ؛ فُتِّحَت أَبوابُ الرَّحمَةِ، وغُلِّقَت أَبوابُ جَهنَّمَ، وسُلسِلَتِ الشَّياطينُ][٩]، فأعظم أبواب الرحمة هو الصيام بعينه تنفيذًا لأوامر الله ومصداقًا لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[١٠]، كما أن الله فتح باب رحمته في العديد من الطاعات التي يؤديها المسلم في هذا الشهر، سنذكر بعضها فيما يأتي:[١١]

  • باب الدعاء: الإكثار من الدعاء للنفس والأهل، فالدنيا دار للكَبَد والشقاء ولا راحة فيها ولا هناء، وطوال العام تتكالب الهموم على النفس وتكثر الأحلام والرغبات، فيأتي شهر رمضان وسيلة لتحقيق تلك الآمال والمطالب بالدعاء الخالص لله، لاسيما أن الآية القرآنية: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}[١٢]، تأتي بعد آية فرض الصيام مباشرةً.
  • باب الصدقات: والصدقات تكون بالإحسان للفقراء والمساكين والأيتام، والإكثار من التدبر والتعقل والتسبيح والتحميد.
  • باب الصبر: فرمضان هو شهر الصبر على ترك الطعام والشراب والشهوات خلال فترة النهار، إذ إن هذا الأمر يمرّن المسلم على الصبر.


المراجع

  1. سورة البقرة، آية: 183.
  2. رواه مسلم ، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم: 1400، صحيح.
  3. "فضل شهر رمضان المبارك"، binbaz، اطّلع عليه بتاريخ 13-11-2019.
  4. رواه الألباني ، في صحيح النسائي، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 2201، صحيح.
  5. إبراهيم بن فهد بن إبراهيم الودعان (4-6-2014)، "شرح حديث: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا"،alukah، اطّلع عليه بتاريخ 13-11-2019. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 233، صحيح.
  7. رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 6307، صحيح.
  8. عامر الهوشان (13-7-2014)، "سر "إيمانا واحتسابا" في رمضان"، almoslim، اطّلع عليه بتاريخ 13-11-2019. بتصرّف.
  9. رواه شعيب الأرناؤوط ، في تخريج المسند، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 7783، إسناده صحيح.
  10. سورة البقرة ، آية: 185.
  11. "من أبواب الرحمة في رمضان"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 13-11-2019. بتصرّف.
  12. سورة البقرة ، آية: 186.