حديث نبوي عن الجار

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٢١ ، ٢٤ مارس ٢٠٢٠
حديث نبوي عن الجار

حسن الجوار في الإسلام

لطالما كان الإسلام حاثًا على العلاقات الطيبة وموصيًا بها، لما فيها من خير عائد على كافة أركان المجتمع، فنجد أن الإسلام يحث على مساعدة الجار وحفظه وعدم إيذائه، فقد فرض على الناس قواعدًا وحقوقًا يجب المحافظة عليها وتأديتها، وذلك لهدف سامٍ، وهو نشر السلام والمحبة بين أفراد المجتمع، فقد حث الإسلام على عدم مبادرة الجار بالإساءة أيًا كانت، وإن بدر منه خطأ يجب على المسلم أن يحتويه وأن يراجعه بود، وأمر الإسلام بوصال الجار وزيارته ومشاركته في أفراحه وأتراحه، وتقديم العون له فيما يتعرض له من مواقف، وأيضًا المحافظة على أسراره وعدم هتك ستره والتلصص عليه أو على حرمات بيته، أو مقاطعته وعدم المشاركة في مناسباته، فهذه الأمور واجبة على المسلم نحو من يقطنون إلى جواره، لأنها تجعل الحياة بين الجيران أفضل وأجمل، فلا يتوفر مجال للمخاصمات والمشكلات المنغصة التي إن حدثت ستجعل الحياة عسيرة.

وقد تصل العلاقة بين الجيران إلى حد القطيعة والكره، وهذا ما يسعى الإسلام إلى تجنب حدوثه في كافة الأماكن التي ينتشر فيها، كما قال الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْـمَسَاكِينِ وَالْـجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْـجَارِ الْـجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْـمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}[١]، وكما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت][٢].[٣]


أحاديث نبوية عن الجار

ورد عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [خيرُ الأصحابِ عند اللهِ خيرُهم لصاحبِه، و خيرُ الجيرانِ عند اللهِ خيرُهم لجارِه][٤]، إن هذا الحديث الشريف يبين مدى أهمية علاقة الجيرة عند الله ورسوله، فالله تعالى يفضل رجلين اثنين أحدهما رجل طيب محافظ على صديقه والآخر محافظ على جاره، فهذان الرجلان يشكلان أنموذجًا في التلاحم الإنساني ويعكسان صورة طيبة للإسلام وللعلاقات الاجتماعية التي تلعب دورًا مهمًا في المحافظة على المجتمع من التفكك، فعلى هذا الأساس فضل الله تعالى هذين الرجلين وحباهما بمحبته وفضله، ويجب الاقتداء بهما في ترسيخ العلاقات مع الغير، فهذه العلاقات تلعب دورًا مهمًا لدى كل البشر، ويجب عدم التغاضي عنها، فالشعب الذي لا يكترث الجار فيه لأمر جاره شعب مفكك يسهل اختراقه والعبث فيه، فإذا تعرض منزل أحدهم لحريق ولم يساعده جيرانه في إخماده من الجائز أن يمتد لبيوتهم وذلك بسسب تقصيرهم في حقوق الجيرة.[٥][٦]

وقد لعب الإسلام دورًا مهمًا في تحقيق الرخاء والسلام بين الناس وتوحيدهم تحت مظلة الدين والأخلاق حتى وإن كانوا في اختلاف عقائدي أو فكري أو غير ذلك، فكل هذه الخلافات توضع على الرف عندما يطرح موضوع الأخلاق وكيفية التعامل مع الآخر، فعند ذلك يمثل الإسلام أفضل العقائد المنظمة لحياة البشر وعلاقتهم بأنفسهم وبغيرهم من البشر أو الكائنات الحية الأخرى أو حتى الجمادات.[٧]

وإن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يمثل القدوة الحسنة للمسلمين أثناء حياته، فقد أوصى بالجار كثيرًا، وكانت مواقفه مع جيرانه جليلة ومشرفة، فقصته مع جاره اليهودي معروفة، فكان ذلك اليهودي يؤذي النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم على الدوام، ولا يحترم حق الجيرة ومع ذلك ضرب النبي المثال الطيب للجار الحسن، فصبر على جاره ولم يبادره بالسيئة، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان على الدوام ينبه صحبه إلى ضرورة احترام الجار وسرد لنا عددًا من الأحاديث الحاثة على هذا الأمر، ومنها ما يأتي:[٨][٩]

  • قال النبي صلى الله عليه وسلم: [حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هي يا رسول الله؟، قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه][١٠].
  • عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: [كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول: يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه][١١].
  • عن أبي شريح العدوي قال: سَمِعَتْ أذناي وأبصرَتْ عيناي حين تكلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: [من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره][١٢].
  • جاء في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة: [عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -يَرويه عن ربِّه عزَّ وجَلَّ- قال: ما مِن عبدٍ مسلمٍ يَموت، يَشهَدُ له ثلاثةُ أبياتٍ مِن جِيرانِه الأَدْنَينَ بخيرٍ؛ إلَّا قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قد قَبِلتُ شِهادةَ عبادي على ما عَلِموا، وغفَرتُ له ما أَعلَمُ][١٣]، ففي الحديث أن الإحسان للجار سبب في نيل مرضاة الله ومغفرة الذنوب.
  • جاء في الحديث الذي رواه المقداد بن عمرو بن الأسود عن الرسول صلى الله عليه وسلم:[ما تقولون في الزِّنا؟ قالوا: حَرَّمَه اللهُ ورسولُه، فهو حَرامٌ إلى يَومِ القِيامةِ، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ لِأصحابِه: لأنْ يَزنيَ الرَّجُلُ بعَشَرةِ نِسْوةٍ، أيْسَرُ عليه مِن أنْ يَزنيَ بامْرَأةِ جارِه، قال: فقال: ما تقولون في السَّرِقةِ؟ قالوا: حَرَّمَها اللهُ ورسولُه فهي حَرامٌ، قال: لأنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِن عَشَرةِ أبْياتٍ، أيْسَرُ عليه مِن أنْ يَسْرِقَ مِن جارِه][١٤]، إذ بين الحديث أهمية حق الجار على جاره، وأن إيذاءه خطأ كبيرًا في حقه يترتب عليه عقوبة من الله سبحانه وتعالى.
  • جاء في الحديث الذي رواه سعد بن أبي وقاص عن الرسول صلى الله عليه وسلم:[أربعٌ من السَّعادةِ المرأةُ الصَّالحةُ والمسكنُ الواسعُ والجارُ الصَّالحُ والمركِبُ الهنيءُ وأربعٌ من الشَّقاءِ الجارُ السُّوءُ والمرأةُ السُّوءُ والمركِبُ السُّوءُ والمسكنُ الضَّيِّقُ][١٥]، ففي الحديث دلالة واضحة أن الجار الصالح من أهم أسباب السعادة الدنيوية، بالإضافة للمرأة الصالحة والمسكن الواسع والمركب الهني.
  • جاء في الحديث الذي عائشة عن الرسول صلى الله عليه وسلم:[ما زالَ جِبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ يورِّثُهُ وما زالَ يوصيني بالمملوكِ حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ يضرِبَ لهُ أجلًا أو وقتًا إذا بلغَه أعتِقَ][١٦].


حقوق الجار

إن للجار حقوقًا على جاره تختلف بأشكالها وظروفها زمانيًا ومكانيًا، وكلما كان هنالك تعاونًا وإيتاءً للحقوق بين الجيران سينعكس ذلك بالضرورة على واقع الحياة والمجتمع بأسره، وما أجمل ما قيل عن حق الجار في الحديث الذي رواه الشريد بن سويد الثقفي فقال:[ أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ اللهِ -قال الخَفَّافُ: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ-، أرضٌ ليس لأحَدٍ فيها شِركٌ ولا قَسمٌ إلَّا الجوارُ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الجارُ أحقُّ بسَقَبِه ما كان][١٧]، ففي الحديث تبيانًا لمسألة يقع في تبعاتها الكثير من الناس، إذ يبين الحديث حقّ الشفعة للجار بشراء ما جاوره من أرض أو بيت، وكم نشاهد اليوم من مشاكل لا حصر لها تتعلق بهذا الشأن، والتي يترتب عليها أحيانًا الدخول في متاهات بين الجيران وأبنائهم.[١٨]

وقد بين دين الله تعالى في المعاملات بين الجار القريب من جاره ما يتضح من حدود ومن تصرفات، كما وضح الإسلام أن له حقوق بينما عليه واجبات تتمثل فيما يلي:[١٩]

  • الكلمة الطيبة والمديح الذي يدخل إلى القلب البهجة والسرور ويرسم الفرحة على ثغر صاحبها لينعم بالطمأنينة.
  • حماية الجار كحماية النفس، وعدم تقبل الأذى من النفس على نفسها، أو أن يقع الأذى من شخص آخر.
  • مراعاة حسن الضيافة وتقديم الواجب بما يليق بهم.
  • عدم التدخل في المسائل الخاصة بكافة الأفراد وليس فقط الأمور الخاصة بالجيران والتي لا يجب التدخل بها تحت مسمى خفي وهو الاطمئنان والحماية من الخطر.
  • معاملة الجار كأنه صديق لجاره والتصرف معه بأسلوب رقيق وعذب يدخل القلب.
  • الابتعاد عن السخرية والاستهزاء بكافة أشكاله وفي جميع المسائل التي قد تؤذي الطرف الآخر وترسل له رسالة خاطئة تحت ذريعة النصح والإرشاد.
  • السؤال عن أحوال وأخبار الجيران والاطمئنان عليهم من وقت لآخر في حال حدوث شيء أو عند انقطاع أحوالهم.
  • تقديم المساعدة بكافة صورها عندما يحتاجها الجار، وتقديم الدعم سواء أكان ماديًا أو معنويًا ويكون الطرف المقابل بحاجة له.
  • مشاركة الأطراف ككل في ظروفهم بأنواعها وفي حالاتهم جميعها سواء أكانت سعيدة أو تعيسة، وحلّ مشاكلهم إن وجدت والفرح بفرحهم والوقوف معهم في مصائبهم.


الحدّ الشرعي للجار

الحد الشرعي الذي يدل على الجار من عدمه هو الجار الملاصق باتفاق العلماء، وما بعد عن ذلك فمرجعه إلى العرف المتبع، وأما قول البعض أن أهالي الحي جميعهم جيران فيُنسب لبعض العلماء، إذ كانت الأحياء قديمًا صغيرة المساحة، وعليه برروا هذا القول بأن الجيران هم من جمعهم مسجد أو مسجدين، ولكن في حقيقة الأمر أن ثمة اختلاف في حدّ الجار، فالبعض قال أن الشرع حدده بأربعين دارًا من كل جهة، والبعض الآخر حدده بدلالته اللغوية وهو الجار الملاصق، إذ جاء نصٌ في كتاب للإمام الشافعي فيه :"وَالجِيرَانٌ أربعون دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ"، وقال الشيخ ابن عثيمين :"الجار هو الملاصق لك في بيتك والقريب من ذلك"، وقد وردت بعض الآثار تدل على أن الجار أربعون دار ولكن الحديث الذي رُوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن حديث ضعيف لا يصح بحسب الشيخ ابن عثيمين، وعليه فالصواب هو الجار الملاصق، وما بعد ذلك يرجع للعرف".[٢٠]


أسباب تراجع العلاقة بين الجيران

لتراجع العلاقة بين الجيران العديد من الأسباب، فيما يأتي إجمال أبرزها:[٢١]

  • الهجرات: وتقسم الهجرات إلى:
    • هجرة قسرية: وهي الهجرات التي ما زالت تحصل في الوطن العربي، دون أي رغبة أو تدخل من سكانها، وهي الهجرات التي تنتج عن الكوارث والحروب، ومن أشهرها: الهجرة من فلسطين المحتلة.
    • هجرة لطلب العمل خارج البلد: وهي الهجرات التي يقصدها كل من يبحث عن الرزق والعمل، واضطر إلى الاستقرار هناك.
  • توسع المدن: وهي تعد من أكثر المظاهر الناتجة عن الهجرات.
  • البحث عن مصادر الرزق: يعد سببًا لهجرة الأشخاص؛ للبحث عن عمل، وهو من أسباب الهجرات.
  • ضغوطات الحياة المعاصرة: أصبحت الحياة تقتصر على النوم والعمل، ولم تعد تتيح للأشخاص الزيارة والحديث.


المراجع

  1. سورة النساء، آية: 36.
  2. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبو شريح العدوي الخزاعي الكعبي، الصفحة أو الرقم: 48 ، صحيح.
  3. " الإسلام أوصانا بالجار خيراً في كثير من الآيات والأحاديث"، alittihad، اطّلع عليه بتاريخ 14-10-2019. بتصرّف.
  4. رواه الألباني، في السلسلة الصحيحة، عن عبدالله بن عمرو ، الصفحة أو الرقم: 103 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح.
  5. "شروح الأحاديث"، dorar، اطّلع عليه بتاريخ 14-10-2019. بتصرّف.
  6. "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح"، islamweb، اطّلع عليه بتاريخ 19-10-2019. بتصرّف.
  7. "الأخلاق أهميتها وفوائدها "، islamway، اطّلع عليه بتاريخ 14-10-2019. بتصرّف.
  8. " الجار في سنة النبي المختار صلى الله عليه وسلم "، islamweb، اطّلع عليه بتاريخ 14-10-2019. بتصرّف.
  9. " حاجة الأمة إلى القائد القدوة"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 14-10-2019. بتصرّف.
  10. رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 2162 ، صحيح.
  11. رواه السيوطي ، في الجامع الصغير ، عن عبد الله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 6497 ، صحيح.
  12. رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن أبو شريح العدوي الخزاعي الكعبي، الصفحة أو الرقم: 6019 ، صحيح.
  13. رواه العيني، في عمدة القاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 8/285، إسناده صحيح.
  14. رواه الوادعي، في الصحيح المسند، عن المقداد بن عمرو بن الأسود، الصفحة أو الرقم: 1158، حسن.
  15. رواه المنذري ، في الترغيب والترهيب، عن سعد بن أبي وقاص، الصفحة أو الرقم: 3/326. صحيح .
  16. رواه البيهقي ، في شعب الإيمان، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 6/2868. صحيح على شرط البخاري ومسلم.
  17. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن الشريد بن سويد الثقفي، الصفحة أو الرقم: 19461، صحيح .
  18. جمال أحمد نجم (4-7-2014)، "حقوق الجوار"، hablullah، اطّلع عليه بتاريخ 25-11-2019. بتصرّف.
  19. ندا أبو أحمد (2012-7-2)، "حقوق الجار"، alukah، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-19. بتصرّف.
  20. "حدّ الجوار في الشرع"، islamqa، 2015-10-5، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-22. بتصرّف.
  21. "العلاقة بين الجيران"، ts3a، اطّلع عليه بتاريخ 14-10-2019. بتصرّف.