مفهوم التوكل

مفهوم التوكل

التوكل على الله

التوكّل في اللغة هو الاعتماد على الغير في قضاء حاجة أو أمر ما، وأما التوكّل في الاصطلاح فهو اعتماد المؤمن على الله تعالى في كل مصالحه وأموره الدنيويّة والأخرويّة، وعرّف الشيخ الجرجاني رحمه الله التوكّل بأنه الثقة بما عند الله تعالى، واليأس عمّا في أيدي الناس، فالتوكّل هو دأب الصالحين وعباد الله المؤمنين الصادقين، وقد حثّ الله تعالى عباده في الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث النبويّة الشريفة على ضرورة التوكّل والابتعاد عن التواكل، فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[١]، والتوكّل على الله تعالى لا يُنافي الأخذ بالأسباب بأي حالٍ من الأحوال، وعلى المسلم أن يتخذ السبب حتى ولو كان هذا السبب ضعيفًا، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يُطْعِم مريم عليها السلام أمرها أن تهز جذع النخلة على الرغم مما كانت تُعانيه من ضعفٍ ووهن، وعلى المسلم أن يبذل السبب حتى ولو كان بسيطًا وأن يعلم أن الله تعالى هو مسبب الأسباب.

فلا يعتمد المسلم إلا على الله تعالى؛ لأن الله يُقدّر الأمور بأسبابها، والتوكّل على الله تعالى يبدو واضحًا وجليًا في بعض المواطن ومنها، عند النوم فالمسلم الحق يُسلّم نفسه لله تعالى ويتوكّل عليه ثم يوجّه وجهه إليه، وعند وقوع المصائب، فيظهر التوكّل على الله تعالى واضحًا جليًا عند وقوع المسلم في المصائب فيعلم أن ما يحدث له هو أمر مكتوب ومُقرر فيتوكّل على الله ويتأكد بأن الله تعالى سيُعوّضه خيرًا في مصيبته، ويظهر التوكل واضحًا عند مواجهة الأعداء، وعند إعراض الناس عنك، وفي حالة الفقر، والمرض، والوهن وغيرها الكثير من المواطن التي يظهر فيها التوكّل، ومن أهم ثمرات التوكّل على الله ما يلي:[٢]

  • النّصر: فنصرة الله تعالى لعباده يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتوكّلهم عليه، فمن أهم أسباب النصر هو الاعتماد على الله تعالى.
  • الحفظ من الشيطان: فمن يتوكّل على الله تعالى فسيحفظه ويحميه من شر الشيطان وشِركه.
  • الشجاعة وقوّة القلب: فمن توكل على الله تعالى فسيمدّه بقوة القلب والشجاعة.
  • الرّزق: فمن يتوكّل على الله تعالى فإنه سيرزقه من حيث لا يحتسب، وكذلك وعد الله تعالى عباده المتوكّلين عليه.
  • الحماية والرّعاية: فبتوكّلك على الله تعالى سيكفيك ويحميك من كل مصائب الدنيا وأذاها ومن شر وظلم عباده.
  • نيل محبة الله ورضاه: من أهم ما قد يُحصّله المسلم من توكّله على الله تعالى هو كسب محبته ورضاه سبحانه وتعالى ودخوله الجنة وبعده عن النار.


ما أقسام التوكل على الله؟

التوكّل على الله تعالى من أهم مقامات الإيمان والإسلام، ومنزلة التوكّل على الله تعالى في الإسلام كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يكمل الجسد إلا بالرأس، كذلك الإيمان لا يكتمل إلى بالتوكّل على الله تعالى، وللتوكّل على الله تعالى قسمين هما:[٣]

  • التوكّل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى: فهذا صَرْفه لله واجب وهو نوع من أنواع التوحيد، وصَرْفه لغير الله تعالى هو شرك بالله ويُخرج صاحبه من المِلّة، ومثال ذلك أن تطلب النصر والفوز والرزق أو غيرها من أمور دنيويّة من غير الله تعالى كالأموات والطواغيت.
  • التوكّل في بعض الأسباب الظاهرية: كمن يتوكّل على مخلوق فيما قدره الله عليه في دفع أذى أو قضاء حاجة من حوائج الدنيا، فمن توكّل على مخلوق غير الله تعالى فهذا نوع من أنواع الشرك الأصغر، ومثاله من يتوكّل على سلطان أوملك فيما أجراه الله تعالى من رزق بين يديه، أو التوكّل عليه في دفع أذى مخلوق، لأن حقيقة التوكّل تفويض كل أمورك لله تعالى والأمر ليس بيد أي مخلوق، فتحصيل المطلوب لا يكون إلا في يد مَن يملكه وهو الله تعالى، والمخلوق لا يكون إلا سببًا هيّئه الله تعالى وفوّضه لقضاء بعض الأمور، وقد جعل العلماء بعض الألفاظ كقول المسلم توّكلت على الله ثم عليك هو نوع من أنواع الشرك في الألفاظ، لأن التوكّل عبادة ولا يجوز جعل شيء منها لمخلوق مهما كان.


آيات وأحاديث عن التوكل على الله

هناك عدد كبير من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تتحدث عن التوكل، فتعرّف فيما يلي على أبرز هذه الآيات والأحاديث:

  • آيات كريمة عن التوكّل:[٤]
    • {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنون}[٥].
    • {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}[٦].
    • {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}[٧].
    • {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}[٨].
    • {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}[٩].
    • {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا}[١٠].
  • أحاديث نبويّة عن التوكّل:[١١]
    • [لو أنَّكم تَتوكَّلونَ على اللهِ حقَّ تَوكُّلِه، لرَزَقَكم كما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدو خِماصًا، وتَروحُ بِطانًا][١٢].
    • [يَدخُلُ الجنَّةَ مِن أُمَّتي سَبعونَ ألْفًا بغيرِ حِسابٍ لا يَكتَوونَ، ولا يَستَرْقونَ، ولا يَتطَيَّرونَ، وعلى ربِّهم يَتوَكَّلونَ][١٣].
    • [قال رجُلٌ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : أُرسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ ؟ قال : (اعقِلْها وتوكَّلْ)][١٤].
    • [اللَّهُمَّ لكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وبِكَ خَاصَمْتُ، وإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ المُقَدِّمُ، وأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلَّا أنْتَ][١٥].
    • [الطِّيَرةُ شركٌ، الطِّيَرةُ شركٌ، الطِّيَرةُ شركٌ -ثلاثًا- وما منَّا إلَّا؛ ولكنَّ اللهَ يُذهِبُه بالتوكُّلِ][١٦].


قد يُهِمُّكَ: الفرق بين التوكل والتواكل

التوكّل هو الإيمان بأن الله تعالى هو الواحد الأحد وهو المتفرّد بالخلق، ومنه كل النّعم والعطايا، ومنه وإليه المصير لا محالة، مع وجوب ظهور هذا الخُلُق في كل أعمالك وأقوالك، وامتثال أمر الله تعالى والسير على منهجه وطريقه الذي أوحى به إلى رسله، ومثال التوكّل هو طلب الرّزق، فلا بدّ من إقران التوكّل بالإيمان بأن الجد والسعي بالعمل وحده لا يكفي ولا يوصل لنتيجة إلا بإرادة الله تعالى، فالتوكّل هو أن يسعى المسلم لطلب رزقه وعمله مع يقينه بأن ذلك مرتبط بإرادة الله تعالى وعطائه ورغبته في رزقك، فقد يكون هناك تعب وجد منك وعلى الرغم من ذلك فإنك لا تُحصّل ما تريده، فلا بدّ من أمرين هما الأخذ بالأسباب، وتفويض الأمر إلى الله تعالى، ولا يمكن أن ينفصل هذان الأمران عن بعضهما البعض بأي حالٍ من الأحوال لأن ذلك يُناقض التوكل.

أما التواكل فهو إما الأخذ بالأسباب دون تفويض الأمر لله تعالى، وهذا يُناقض الإيمان، والتواكل لا يوصل إلى المطلوب، أو هو تفويض الأمر لله تعالى دون أخذك بالأسباب، وهو تعطيل لقانون الله تعالى، وعدم امتثال لأوامره في السعي وطلب الرزق، فالاقتصار على الإيمان بقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا}[١٧]، دون السعي في الأرض وطلب الرزق هو بالضبط ما يعنيه التواكل، والعكس صحيح فالسعي دون تفويض أمرك لله تعالى هو تواكلٌ أيضًا.[١٨]


المراجع

  1. سورة التوبة، آية:51
  2. د. مهران ماهر عثمان، "التوكل على الله"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 18/12/2020. بتصرّف.
  3. فيصل بن عبدالله العمري، "قوة التوكل"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 18/12/2020. بتصرّف.
  4. ياسر بن خالد السعد، "آيات عن التوكل على الله"، ألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 18/12/2020. بتصرّف.
  5. سورة المائدة، آية:11
  6. سورة آل عمران، آية:159
  7. سورة يوسف، آية:67
  8. سورة إبراهيم، آية:11 -12
  9. سورة النحل، آية:42
  10. سورة الأحزاب، آية:48
  11. "التوكل على الله في السنة النبوية"، اسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 18/12/2020. بتصرّف.
  12. رواه شعيب الأرناووط، في تخريج شرح السنة، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم:14/ 3، خلاصة حكم المحدث إسناده صحيح.
  13. رواه شعيب الأرناؤوط ، في تخريج المسند، عن عمران بن الحصين، الصفحة أو الرقم:19913، خلاصة حكم المحدث صحيح .
  14. رواه شهيب الأرناؤوط، في تخريج صحيح ابن حبان ، عن عمرو بن أمية، الصفحة أو الرقم:731، خلاصة حكم المحدث حسن.
  15. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:1120، خلاصة حكم المحدث صحيح.
  16. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج سنن أبي داود، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:3910، إسناده صحيح.
  17. سورة هود، آية:6
  18. "ما الفرق بين التوكُّل والتواكُل؟"، اسلام أون لاين، اطّلع عليه بتاريخ 18/12/2020. بتصرّف.