مفهوم الذاكرة في الفلسفة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٥٧ ، ١٠ أغسطس ٢٠٢٠
مفهوم الذاكرة في الفلسفة

الذاكرة

لا بد من أنك تستخدم عادة لفظ "ذاكرة" دلالة على المستودع الذي تحتفظ فيه بذكرياتك أو لحظاتك وتجاربك السابقة، ولكن ما هي الذاكرة كمفهوم؟ تعرّف الذاكرة بأنها مجموع العمليات المستخدمة للحصول على المعلومات وتخزينها والاحتفاظ بها بهدف استرجاعها فيما بعد، ويمكنك القول بأن للذاكرة ثلاث عمليات رئيسية متضمنة وهي: "الترميز والتخزين والاسترجاع". وإن لذاكرتك البشرية القدرة على حفظ واسترجاع المعلومات التي تعلمتها واختبرتها سابقًا، لكن وكما تعلم فإن التذكّر كعملية حيوية ليست مثالية دائمًا، ففي بعض الأحيان قد تنسى تجاربك أو مواقفك الشخصية التي خضتها، وفي أوقات أخرى قد تسيء تذكر موقف خضته بالفعل، يعود السبب في هذا إلى أن ذاكرتك لم تقم بترميز الأشياء بشكل صحيح في المقام الأول، وتتراوح مشاكل الذاكرة بين "التشويش البسيط" وضعف الذاكرة مثل نسيان المكان الذي تركت مفاتيح سيارتك فيه، وبين "مشاكل رئيسية أو فعلية" وتعد أمراضًا في كثير من الأوقات، مثل مرض الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف، التي تؤثر بالطبع على جودة الحياة والقدرة على العمل، والفعالية في أداء أبسط المهام.[١]


مفهوم الذاكرة في الفلسفة

شبّه الفلاسفة الذاكرة بالمستودع أو جهاز التسجيل، فيرى أفلاطون مثلًا أن العقل يشبه القرص الشمعي، بمعنى أن أي شيء قابل للالتصاق به، ويقول بأن أدمغتنا قادرة على تسجيل ما يحيط بها من خلال وعيها وإدراكها بالمحيط، فيعرّف الإدراك بأنه معرفة وتسجيل أو تخزين ما نلحظه، كما عرّف الذاكرة بكونها الجهاز أو المخزن الذي يحفظ به دماغنا ما ندركه، أما أوغسطين فيرى بأن الإدراك هو عملية التخزين نفسها، أي أن الإدراك كما يراه هو إيداع للصور التي نعيشها في مخزن الذاكرة، وعليه فإن عملية التذكر بالنسبة له هي عملية استرداد هذه الرواسب أو الصور المودعة، وهي نفس النظرية التي تبناها الفلاسفة لوك وهيوم، والعديد من الفلاسفة الآخرين حتى القرن العشرين.

من هذا المنطلق فإن الذاكرة في الفلسفة هي مخزون الخبرات والتجارب والمعتقدات الثابتة، التي وإن اضمحلت أو تراجعت بحيث يصعب الوصول إليها، لا تتغير أبدًا ولا يمكن تبديلها، فما تتذكره اليوم، ستتذكره غدًا بنفس التفاصيل دون تحريف، قد تفقد أجزاء معينة من ذكرياتك، ولكنك لا تستطيع تبديلها، واستمر هذا الاعتقاد سائدًا بين الفلاسفة حتى أواسط القرن العشرين، فخلال القرن الماضي تخلى علماء النفس عن نظرية "المخزن"، على الرغم من أنهم ما زالوا يعتقدون أن الذاكرة تخزن المعلومات، إلّا أن منظورهم للذاكرة كمفهوم فلسفي قد تطوّر، فيعتقد الفلاسفة الآن أن معالجة الذاكرة البشرية أكثر تعقيدًا من مجرد إيداع للعناصر "الذكريات" وسحبها أو استرجاعها لاحقًا.

تخزن الذاكرة البيانات انتقائيًا، ثم تدمجها مع البيانات الموجودة مسبقًا وتضيف إليها ما يشابهها من صور ومعلومات أخرى، ثم تخزنها لتصبح جاهزة لاستردادها، وبمعنى آخر، فإن الذاكرة لا تحتفظ بالصور والمعلومات كما هي بل تغير ما تُدخله بشكل ملحوظ، ونتيجة لذلك، فإن التذكر وفقًا للفلاسفة ليس استعادة، بل هو عمليات استعادة وتمثيلات للماضي، وعليه فإن عمليات التذكر توّلد معتقدات جديدة حول الماضي نفسه الذي خزن، وبشكل عام، يرى فلاسفة الذاكرة من ذوي التفكير التجريبي أن الذاكرة كمفهوم فلسفي أكثر من مجرد عمليات تخزين واسترداد.[٢]


أنواع الذاكرة

للذاكرة ثلاثة أنواع رئيسية يمكن تلخيصها كالتالي:[٣]

  • الذاكرة الحسية: هي أقصر أشكال الذاكرة، ويمكنك تشبيهها بالومضة لأنها سريعة الزوال، وتحتفظ الذاكرة الحسية بالصور التي تمر بك بدقة كبيرة جدًا ولكن لفترة وجيزة جدًا من الزمن، عادة أقل من نصف ثانية، ويمكن تقسيمها لثلاث فئات رئيسية، وهي: "الذاكرة المميزة، وذاكرة الصدى، والذاكرة اللمسية".
  • الذاكرة قصيرة المدى: الذكريات قصيرة المدى تبقى لوقت أطول بقليل من الذكريات الحسية، لكنها لا تزال تُنسى بعد بضع دقائق، فالذاكرة قصيرة المدى جزء من أدمغتنا وهي مسؤولة عن الاحتفاظ بالمعلومات حتى نحتاجها ونأمر باسترجاعها، ومن الشائع جدًا اللبس بين الذاكرة قصيرة المدى ومصطلحات أخرى مثل "الذاكرة العاملة"، وذلك لأن كلا المصطلحين يشيران لعمليات تذكَر حيوية مؤقتة جدًا وذات سعة منخفضة، بالذاكرة العاملة أو حتى بذاكرتنا قصيرة المدى يمسح الدماغ المعلومات أو البيانات مباشرة بعد معالجتها وينقلها لما يسمى ب "بنك الذاكرة طويلة المدى"، أيّ أن البيانات لا تبقى طويلًا بالذاكرة العاملة، بل تنتقل مباشرة لتخزن وتحفظ في أماكن أخرى من الدماغ مسؤولة عن برمجة وتكوين ذكرياتنا التي نحتاح أن نبقيها لفترة أطول.
  • الذاكرة طويلة المدى: يطلق اسم الذاكرة طويلة المدى على العمليات أو الآليات التي يتبعها الدماغ لتخزين المعلومات وإدارتها واسترجاعها، وهي عمليات معقدة للغاية تتشعب لعدة وظائف، وتشمل الذاكرة طويلة المدى كل الذكريات أو البيانات التي سبق وأن عالجها الدماغ، فالذكريات طويلة المدى تشمل أي ذكرى أو حدث شهدته أدمغتنا قبل خمس دقائق إلى كل ذكرى أو حدث عاصرناه من 20 عامًا مضت، هناك العديد من الأشكال المختلفة للذكريات طويلة المدى، ففي بعض الأحيان يكون الدماغ واعيًا، وحينها قد يتطلب الأمر منا التفكير من أجل تذكر جزء من البيانات التي خزنها دماغنا أثناء وعينا، وفي أحيان أخرى نفقد الوعي، أي أن الذكريات والأحداث خُزنت بذاكرتنا طويلة المدى تلقائيًا، حينها تظهر الذكريات ببساطة دون بذل جهد واضح للتذكر، مثل تذكرك للطريق الذي يجب أن تسلكه من المنزل إلى العمل دون التفكير في ذلك، وللذاكرة طويلة المدى أشكال عديدة، ومنها: "الذاكرة الصريحة، والذاكرة التعريفية، والذاكرة العرضية، والذاكرة الدلالية، والذاكرة الإجرائية، والذاكرة السمعية، والذاكرة البصرية المكانية".


قد يُهِمُّكَ

يمكنك القول بأن التذّكر كفعل يعد من المهارات القابلة للتطوير، أي أن الذاكرة وحسب اعتقاد الباحثين من الممكن تطويرها وتمرينها، وبالتالي تحسينها، قابليتها للتطور لا تعني أنه ستظل بنفس الكفاءة، فتميل قدرتها أو فعاليتها إلى الانخفاض مع تقدم العمر، ومن الممكن أن تفسد الذاكرة كليًا بسبب الخرف أو بسبب إصابات الدماغ أو الصدمات أو حتى بسبب الإجهاد المتكرر، ولكن حتى دون حصول هذه الحوادث المأساوية، فإن الذاكرة البشرية غير جديرة بالثقة بشكل مطلق، وذلك لأنها تتأثر بشكل مباشر وقوي بما يحدث في مناطق مختلفة من الدماغ، وحتى تتمكن من فهم آلية عمل الذاكرة، سنستعرض فيما يلي دور كل جزء على حدة:[٤]

  • دور الحُصين Hippocampus في الذاكرة: يرتبط الحصين الموجود في الفص الصدغي وجزء من الجهاز الحوفي في الدماغ، بإدراكنا أو ووعينا المباشر بأنفسنا وهو مسؤول بشكل ما عن ربط ذكرياتنا ببعضها البعض ويعطيها معنى ما حتى تتمكن أدمغتنا من ترسيخها أو استيعابها، ويشارك الحصين أيضًا فيما يسمى ب "الذاكرة المكانية"، الأمر الذي يساعد الدماغ على رسم خريطة للعالم المحيط به يساعده بإيجاد الطرق أو التعرف على الأماكن من حوله.
  • دور القشرة الأمام جبهيّة Prefrontal Cortex: تقع في الجزء الأمامي من الدماغ، وهي المسؤول الأول عن الأنشطة المتمثلة في الكلام، واللغة، وصنع القرار، وأداء المهام أو تنفيذها، بالإضافة لمجموعة متنوعة من السلوكيات والوظائف الأخرى، وهي المكان الذي توجد فيه الذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة النشطة.
  • دوراللوزة Amygdala: تقع بالقرب من الحصين، وترتبط مباشرة بالذاكرة العاطفية، مكانها في الدماغ ومسؤوليتها عن الذاكرة العاطفية تساعدك على تمييز العواطف تجاه الآخرين، من الجدير بالذكر أن اللوزة تعد أحد أجزاء الجهاز الحوفي أو الطّرفي Limbic، لذلك تنشط اللوزة العضلية استجابة رد الفعل لديك أو استعدادك للقتال عندما تكون خائفًا أو مرهقًا أو مهددًا.


المراجع

  1. Kendra Cherry (15-5-2020), "What Is Memory?"، verywellmind, Retrieved 7-8-2020. Edited.
  2. Matthew Frise, "Epistemology of Memory"، utm, Retrieved 7-8-2020. Edited.
  3. "What Are the Different Types of Memory?", yourdictionary, Retrieved 7-8-2020. Edited.
  4. "What Is Memory?", psychologytoday, Retrieved 7-8-2020. Edited.