قصة طالوت وجالوت

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٢٣ ، ٢٥ يناير ٢٠٢١
قصة طالوت وجالوت

ما قصة طالوت وجالوت؟

وردت قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة بالتتابع والتتالي، وقد أشارت الآيات لقصة بني إسرائيل في فترة من فترات حياتهم وهم في الأرض المقدّسة، ويمكننا أن نلخّص لك القصة كما يلي:[١]

بنو إسرائيل في حالة استضعاف شديدة

كانت بداية القصة من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ}[٢]، إذ تشير هذه الآيات إلى حالة الضعف التي كان عليها بنو إسرائيل أمام أعدائهم، بسبب سلب أعدائهم منهم التابوت الذي فيه السكينة والأمن الذي ورثوه عن آل موسى وهارون، وقد شعروا عند ذلك بالذل والهوان الذي أصابهم، فأرادوا أن يُغيّروا من حالة الضّعف والهَوان التي كانوا عليها، فعلموا أن السبيل الوحيد لذلك هو الجهاد.

مطالبة بني إسرائيل نبيهم بالجهاد واختباره لهم

قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[٣]، ولإنقاذ الموقف، طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يبعث الله لهم مَلِكًا ليقاتلوا في سبيل الله تعالى، فأرادوا أن يقاتلوا مع مَلِك ولم يريدوا أن يقاتلوا مع نبي، وقد كان نبيهم يعرف همهم ونواياهم، وأنهم لو أُمروا بالقتال فسوف يتقاعسون عنه ويرتدون، فسألهم النبي ما إذا كانوا يريدون القتال حقًا للتأكد من نواياهم، فأظهروا له حسن النية وحبهم للجهاد للخلاص من الذل والهوان الذي كانوا عليه.

ولكن ظهرت سجاياهم وطباعهم غير السليمة عند أول اختبار، فقالوا لنبيهم أن الذي يمنعهم من القتال هو عدم وجود مَلِك، فأوحى الله تعالى بأن يكون طالوت ملكًا عليهم، وأنه سيقودهم للجهاد والنصر، ولكن وفور معرفتهم لاسم الملك الذي عُيّن عليهم أظهروا اعتراضهم عليه، فطالوت فقير ولم يرث الملك عن آبائه، فبيّن لهم القرآن أنه أنسب الناس وأنه يمتلك العلم والقدرة الجسديّة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}[٤]، وأراد نبيهم أن يبيّن لهم دليل وصحة اختيار طالوت عليهم ملكًا وأنه من عند الله تعالى بأنه سيأتيهم بالتابوت دون قتال، وأن من سيحمله لهم هم الملائكة فقال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}[٥].

خروج طالوت وقومه للقتال

وبعد سَيْر طالوت وجنوده للقتال، أراد أن يختبر طالوت صدق نواياهم وسريرتهم، وفي طريق ذهابهم للمعركة قال لهم إن هناك نهرًا فلا تشربوا منه قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}[٦]، فمن شرب من هذا النهر فلا يكمل معي الطريق، وأما من لم يشرب أو اغترف غرفة واحدة بيده فليكمل معي الطريق قال تعالى: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}[٧]، فلما وصلوا النهر شرب معظم الجنود من النهر، والقليل منهم فقط من التزم وأطاع أمر الملك، قال تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ}[٨].

الاختبار الثاني لأصحاب طالوت

سار طالوت بالجنود حتى وصلوا لأرض المعركة، فلما التقت جموع المقاتلين، خاف جنود طالوت من أعدائهم الذين كان يقودهم جالوت الكافر، فخاف عددٌ كبيرٌ منهم وجبنوا عن مواجهة جنود جالوت وانسحبوا، قال تعالى: {قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ}[٩]، وبقي مع طالوت فئة قليلة صابرة مؤمنة، قال تعالى: {كمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّه}[١٠]، فدخلوا المعركة مؤمنين صابرين طالبين من الله تعالى النصر، فهزموهم بإذنه تعالى، قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ}[١١]، وبرز خلال المعركة داوود عليه السلام وهو من قتل جالوت، ولكنه لم يكن وقتها ملكًا ولا نبيًا، فآل إليه الحكم بعد طالوت وأعطاه الله تعالى العلم والحكمة قال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ}[١٢].


العبر المستفادة من قصة طالوت وجالوت

لا شكّ أنك ستستفيد من قراءة قصة طالوت وجالوت، فلكل قصة في القرآن الكريم عبرة مفيدة، وأهم هذه الدروس ما يلي:[١٣]

  • أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد، وبحثهم في الطريق الذي تسير به أمورهم وتستقيم، وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لتحقيق النجاح والمراد، وهذا ما حصل في القصة عندما أمر بنو إسرائيل نبيهم بتعيين ملك عليهم.
  • أن الحق كلما عُورض ازداد وضوحًا وحصل اليقين التام بأنه الحق لا محالة.
  • أن العلم والرأي والقوة التي تنفذ بهما كمال الولايات، وبفقدان أي حلقة من الحلقات الثلاث يصبح هناك خلل ونقص.
  • الاتكال على النفس سبب الخذلان والفشل، والاستعانة بالله تعالى والصبر والالتجاء إليه في السراء والضراء هو سبب تحقيق الفوز والنصر.
  • من حكم الله تعالى في الأرض هو تمييزه بين الخبيث والطيّب، والصادق والكاذب، والجبان والشجاع، فهو لم يترك عباده على ما هم عليه دون التمييز والتمحيص.
  • أنه لولا دفع الله تعالى ضرر الكفار المنافقين عن طريق المؤمنين المرابطين المقاتلين لفسدت الأرض وما عليها، ولاستولى الكفر على الإسلام وعم الظلم على البلاد.


قد يُهِمُّكَ: وقفات وتأملات في قصة طالوت وجالوت

يمكننا الوقوف على عدد من التأملات في هذه القصة العظيمة، وأهم التأملات والوقفات:[١٤]

  • طبيعة النفس الإسرائيلية: وقد ظهرت واضحة جلية من خلال:
    • سؤالهم الذي يحمل ويبيّن لنا طبيعتهم المُتكبرة على أنبيائهم.
    • الاعتراض على أوامر نبيهم ورفض هذه الأوامر.
    • امتناعهم عن القتال تحت راية ذلك النبي، وتفضيلهم القتال تحت راية ملك بدلاً من نبي.
    • الاعتراض على أوامر الله عز وجل، عندما نزل الوحي بتعيين طالوت عليهم ملكًا.
    • القعود والتذمر عند الجد وخلق الأعذار، قال تعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}[١٥].
    • كثرة اختبار الله تعالى لهم لكثرة اعتراضهم، لكي لا يبقى لهم حجة.
    • صعوبة الإيمان بالله تعالى، وذلك نتيجة للنفاق العقائدي.
    • نبذ صفتي العلم والقوة الجسديّة اللتين فضل الله تعالى بهما طالوت على بني إسرائيل.
    • وجود قلة مؤمنة أمام الكثرة الكافرة.
  • اختبار الفئة المقاتلة: وهي كما يلي:
    • كان أول اختبار للفئة المقاتلة هو أن كتب الله تعالى عليهم القتال، ليميز أصحاب النوايا السليمة من أصحاب النوايا الخبيثة.
    • الاختبار الثاني كان للفئة التي سارت للقتال، عندما طلب منهم ملكهم عدم الشرب من النهر، فشرب غالبيتهم منه، وبقي قلة قليلة منهم لم تشرب، وهي التي سارت مع طالوت وأكملت الطريق معه.
    • الاختبار الثالث، كان عندما التقت الجيوش مع بعضها البعض، وفي هذا الاختبار أراد الله تعالى أن يمحص هذه القلة بأن يُنقّيها من أصحاب النوايا غير السليمة للقتال في سبيل الله تعالى لكي لا تخلخل الصفوف.
  • نتائج الاختبارات: نتج عن اختبار الله تعالى لهم ما يلي:
    • أنه لا مكان لأصحاب النفوس الضعيفة في هذه المواجهة المصيريّة.
    • كشف الضعفاء الذين لم ينكشفوا سابقًا.
    • قلة العدد أدى إلى زيادة الإيمان، فبسقوط ضعيفي الإيمان ازداد إيمان البقيّة.
    • اعتماد القلة المؤمنة على الله تعالى بعد أخذها بالأسباب، ويقين هذه القلّة بأن قوّة إيمانها واتصالها بالله تعالى ستغلب قوة العدد.
    • استجابة الله تعالى لدعاء الفئة المؤمنة، وبأن الله لن يخذلهم وأنه سينزل صبره وثباته وسكينته عليهم.
    • سرعة استجابة الله تعالى لدعاء الفئة المسلمة للنصر على الكافرين وتحقيق النصر نتيجة لصدق نواياهم وصبرهم.


المراجع

  1. للشيخ محمد المنجد، "قصة طالوت وجالوت"، اسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 23/1/2021. بتصرّف.
  2. سورة البقرة، آية:246
  3. سورة البقرة، آية:247
  4. سورة البقرة، آية:247
  5. سورة البقرة، آية:248
  6. سورة البقرة، آية:249
  7. سورة البقرة، آية:249
  8. سورة البقرة، آية:249
  9. سورة البقرة، آية:249
  10. سورة البقرة، آية:249
  11. سورة البقرة، آية:251
  12. سورة البقرة ، آية:251
  13. أبو الهيثم محمد درويش ، "قصة طالوت وجالوت وملك داوود "، طريق الاسلام، اطّلع عليه بتاريخ 23/1/2021. بتصرّف.
  14. سامي الهسنياني، "تأملات في قصة طالوت وجالوت"، موقع إعجاز القرآن والسنة، اطّلع عليه بتاريخ 23/1/2021. بتصرّف.
  15. سورة البقرة، آية:246