شرح حديث من سلك طريقا يلتمس فيه علما

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٢٥ ، ٢٥ أكتوبر ٢٠١٩
شرح حديث من سلك طريقا يلتمس فيه علما

طلب العلم

وهب الله تعالى الانسان عقلاً ميزهُ به عن جميع خلقه، ولذلك كان من الواجب على الإنسان أن يوسع مدارك هذا العقل من أجل أن يمتلك المقدرة التي تساعده في إعمار الأرض، والتفكر في إبداع خلق الله تعالى ونعمه، لكن لا فائدة من العقل دون العلم، ولذلك يعد طلب العلم في الإسلام أمرًا ضروريًا وحاجة ملحة لرفد الأمة بالعلماء والمفكرين؛ وذلك لأن أيّ أمة ترغب بالاستمرار لا بد من أن يكون فيها رجال علماء يعملون على تقدمها ورفعتها، وإجراء البحوث والدراسات المختلفة حتى يكون لأمتهم مجال بين الأمم، ولتكون أيضًا أمة منتجة غير مستهلكة لما ينتجه الغير من مواد، لذلك فطلب العلم في الإسلام أمر محبب حث عليه القرآن الكريم في أول آياته نزولًا، فبالعلم يُفهم الإسلام بطريقة صحيحة.[١]


حديث من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا

نص الحديث

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال، قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ].[٢].[٣]

شرح الحديث

يحدثنا هذا الحديث الشريف عن فضل العلم وما له من أهمية عند الله -عز وجل-، فالله تعالى يحث الناس بإغرائهم بالأجر والثواب، فالحديث يخاطب الناس عامة ولا يخص أحدًا، فالجميع قادر على طلب العلم، فمهما وصل الإنسان بالرتب العلمية منزلة عالية يبقى طالبًا ينهل من بحر العلم. والوعد الذي ورد في الحديث له دلالة، وهي أن هذا الوعد سيكون سريع التنفيذ ومباشرًا لا يشترط فيه شرطًا لحدوثه إن التزم المسلم بهذا الفعل المنصوص وهو سلوك سبيل العلم، إذ سيكون أجره الجنة، وما يلفت الانتباه في هذا الحديث أن كل من كلمتي طريق وعلم جاءتا نكرة، والنكرة في اللغة تدل على العموم بمعنى أن أي طريق للعلم وأي علم فيه منفعة يطلبهما المسلم سيسهل الله له طريقًا من طرقه للجنة ويجعله قويًا فيه يسعى بثبات نحو ثواب الآخرة والنعيم الطيب. أما القسم الآخر من الحديث فنلحظ فيه أسلوب الحصر باستعمال الآداتين (ما، إلا)، فهنا يحصر النبي -صلى الله عليه وسلم- النتيجة بهولاء الذين يتلون القران الكريم ويتباحثون فيه بغية عبادة الله تعالى، هولاء القوم ستكون جلستهم جلسة رحمانية يرعاها الله تعالى برحمته فيلهمهم السكينة وينزل عليهم الرحمة، فترتاح قلوبهم وتتوجه نحو خالقها، وتنزل الملائكة من السماء تحفهم وتكون معهم في مجلسهم الطيب، فهذا القسم من الحديث يحث على أن تكون المجالس لعبادة الله وعدم ارتياد مجالس السوء، وأن يكون الاجتماع في مكان طيب، ومدارسة المواضيع الطيبة كقراءة القرآن والاسشتهاد فيه وتفسيره وإفادة الناس بعلومه، فكل هذه الأمور محببة عند الله عز وجل. أما القسم الأخير في هذا الحديث قد يشعر القارئ بأن موضوعه يختلف عن بقية الحديث، فلماذا ربط النبي الكريم التفريج عن الناس بطلب العلم وأجره، إن معنى هذا الجزء من الحديث أن الله تعالى يفرج عن المسلم كربة من كرب يوم القيامة الصعبة، وإن فرج عن مسلم مثله كربة من كرب الدنيا فهذا الأمر يدعو المسلمين إلى التكافل فيما بينهم وتفريج كرب بعضهم، ولعل هذا الأمر ورد في هذا الحديث بقصد الحث على مساعدة طلاب العلم، إذ يج على أهل القدرة مساعدة طلاب العلم سواء بالإنفاق عليهم أو دفع مستحقات دراستهم أو بشراء المواد التعليمية لهم وغيرها، فلذلك جاء قسم من هذا الحديث ليحث على التكافل الاجتماعي، وتقديم المساعدة للناس ومنهم طلبة العلم.[٤]


الحكمة من التحفيز على طلب العلم

إن الإسلام لا يقصر على نوع معين من العلوم، إذ يحث على كل العلوم النافعة، ولا يحبذ أن يتوجه الناس إلى مسار معين من العلوم، فمن غير الطبيعي أن يُلزم الإسلام الناس بتعلم العلوم الدينية وحدها، فيظهر مجتمع ضعيف ناقص ليس فيه الطبيب أو الرياضي أو المؤرخ، فيحدث في ذلك صدعًا في المجتمع وبالتالي انهياره، لذلك كان الأمر الرباني أن تطلب العلوم كافة؛ كالطّبّ والكيمياء، والفيزياء، والهندسة، والرّياضيَّات، والميكانيكا، والملاحة، وعلوم الحاسوب، والتكنولوجيا، والبناء وغيرها مما ينفع الإنسان في حياتِه، ويحتاج إليها المسلمون ويستفيدون منها، وقد ذهب العديد من العلماء إلى وجوب تعلُّم العلوم والصناعات التي يحتاج إليها الناس، فمَن تعلَّمها لخدمة الدين ونفع المسلمين والاستغناء عن الكفَّار وتحقيق الاكتفاء الذاتي فهو مأجور الثواب إن شاء الله.[٥].


الجمع بين النوايا في طلب العلم

إذا أراد المسلم بطلبه للعلم الأجرين والحسنيين أجر الدنيا وأجر الآخرة فلا حرج عليه، فيجوز أن ينوي نيتين، إحداهما نية طلب العلم ونفع نفسه والمسلمين وفي نفس الوقت ينوي أيضًا الحصول على الشهادة لأجل الراتب والوظيفة، أما في حال كانت نيته بطلبه للعلم محصورة من أجل المنصب أو الراتب في الوظيفة وغير ذلك من أمور الدنيا، ولم تكن نيته الاستعانة على طاعة الله ولا لنفع المسلمين ولا غير ذلك من النيات الصالحة، فهو في خطر كبير، إذ ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ مَن تعلَّمَ علمًا مِمَّا يبتغى بِهِ وجهُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لا يتعلَّمُهُ إلَّا ليصيبَ بِهِ عرضًا منَ الدُّنيا لم يجد عرفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ يعني ريحَها][٦]، فالحصر في الحديث واضح (لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا)، ومن تعلم العلم وجعل نيته من أجل الدنيا، فهو داخل في الوعيد، أما الأدلة على جواز الجمع بين نية الأجر في الدنيا والأجر في الآخرة، فهي في قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}[٧]، وهذا ترغيب في التقوى من أجل أمر دنيوي، فهي المخرج من كل ضيق، وسببًا في سعة الرزق، فلا حرج على الإنسان من أن تكون نيته في طلب العلم أو العمل الصالح ما يترتب عليه من ثواب الدنيا ولا ينقص أجره شيئًا، لأنه لو كان كذلك ما ذكره الله ورسوله، لكن جاء هذا من باب التحفيز على طلب العلم وفعل الصالحات، فهذه من حكمة الشرع.[٨]


المراجع

  1. "أهمية العلم في حياة الانسان"، oxfordschools، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-22. بتصرّف.
  2. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 2699، خلاصة حكم المحدث : [صحيح].
  3. "حديث من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا'"، dorar، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.
  4. "شرح حديث من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة"، binbaz، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.
  5. "المفاضلة بين تعلم العِلْم الشرعي، والعلْم الدنْيوي"، islamway، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.
  6. رواه النووي، في تحقيق رياض الصالحين، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 447، خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح.
  7. سورة الطلاق، آية: 2-3.
  8. "الأدلة على جواز الجمع بين نية الدين والدنيا في طلب العلم"، islamqa، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-9. بتصرّف.