مفهوم صراع الحضارات

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٤٧ ، ١٤ ديسمبر ٢٠٢٠
مفهوم صراع الحضارات

ماذا يقصد بصراع الحضارات؟

عُرّفَ مفهوم صراع الحضارات عام 1993 في مقال نُشر من قِبَل صموئيل هنتنغتون، الذي أوضحَ أن الصراع في العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة سيكون بسبب الصدامات الواقعة بين الحضارات وليس بسبب الأيديولوجيات أو المصالح الاقتصادية، فيتصوّر هنتنغتون الحضارات على أنها المستوى الأعلى من التجمعات الثقافية المشتركة والمحدَّدة بسمات مختلفة مثل اللغة، والتاريخ، والدين، وسَبَقَ أن حدّد ثماني حضارات في هذا السياق وهي الغربية، والكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، والهندوسية، والسلافية، والأرثوذكسية، وأمريكا اللاتينية، والأفريقية، وافترض وجود هذا الصراع حصرًا على الحدود بين هذه الحضارات.

ومع انتشار مفهوم صراع الحضارات على نطاق واسع إلّا أنه لاقى العديد من الانتقادات بسبب تساؤلات النقّاد حول إمكانية احتواء الحضارة أو الثقافة في عصر التعددية الثقافية وأن هذا المفهوم يخلق حوله هالة كبيرة من العظمة تحوّله لاحقًا إلى المحور الرئيسي بين الحضارات، كما أن هذا المفهوم لاقى اهتمامًا زائدًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، كونه كان التفسير المناسب لدى المحللين لما حصل في ذلك الوقت.[١]


نظرية صراع الحضارات وانتقادها

النظرية وفرضياتها

تتبنى نظرية صراع الحضارات العديد من الفرضيات التي تناقش الخطط السياسية المتوقعة بين عدة دول عظمى وتأثيرها على الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتاريخي للعالم أجمع، فيتضمن مفهوم صراع الحضارات عدّة نظريات أساسية مفادها أن خط الصدع المستقبلي سوف يتمحور حول الثقافة والدين وانحياز صراع الحضارات والحروب المختلفة بينها وذلك بأن تكون الانقسامات الكبرى بين البشرية والمصدر المسيطر لهذا الصراع انقسامات ثقافية، وأن الصراعات الأساسية في السياسة العالمية ستُقام بين الدول ومجموعات الحضارات المختلفة مع محافظة هذه الدول على قوة تأثيرها وفعاليتها في الشؤون العالمية، ومن الفرضيات التي تتبناها نظرية صراع الحضارات ما يلي:[٢]

  • تتنبأ إحدى فرضياته بحدوث حرب عالمية بين كبرى الحضارات في عام 2020، وبذلك ستغادر القوات الأمريكية الأراضي الكورية مما سيوحّد كوريا مجددًا ويقلل من تواجد القوات الأمريكية على الأراضي اليابانية.
  • التوصُّل إلى تسوية بين تايوان والبر الرئيسي للصين مفادهها استمرارية تايوان في الحصول على معظم استقلالها الفعلي مع بقاء اعترافها الصريح بسيادة بكين عليها وقبولها في الأمم المتحدة بسبب سلطة الصين عليها، عكس ما حدث مع أوكرانيا وبيلاروسيا في عام 1946.
  • تُهاجَم فيتنام من قِبَل الصين فوق النفط في بحر الصين الجنوبي انتقامًا على أحداث 1979، وستدعم الولايات المتحدة فيتنام في هذا الهجوم لتطوير بعض الشركات الأمريكية لحقول النفط هذه من خلال إرسال فِرَق عمل الناقلات القليلة المتبقية إلى بحر الصين الجنوبي للمساعدة متجاهلة تحذير الصين لها بعدم التدخّل في الصراع، لذلك ستوجّه الصين ضربة عسكرية ضد فرقة العمل الأمريكية.
  • وعلى نفس الصراع ستفشل مفاوضات إطلاق النار، وهذا سيُبقي اليابان حيادية ويجعلها ترفض السماح للولايات المتحدة استخدام قواعدها للعمل ضد الصين، لكن الولايات المتحدة ستستعمل هذه القواعد بالرغم من الحجر الصحي الياباني وستؤثر على القوات البحرية والجوية الصينية العاملة في البر الرئيسي وتايوان وستتضرر السفن والمنشآت الأمريكية في شرق آسيا وبذلك تفشل المساعدة ويوقِع جزء كبير من الأراضي الفيتنامية تحت احتلال الصين، بما فيها هانوي.
  • لن تصعّد الولايات المتحدة هذه الحرب لاعتبار الرأي العام المحلي بأن هذه الحرب طريقة للسيطرة الأمريكية على جنوب شرق آسيا أو للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، وخلال ذلك الوقت، بينما تقع الحرب بين الصين وشرق آسيا، ستهاجم الهند باكستان، وسينتجر عن ذلك انضمام إيران إلى باكستان.
  • تحفيز الصين عدة حركات كبيرة مناهضة للغرب في المجتمعات الإسلامية نتيجة للنجاحات التي حققتها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وستمكّن هذه الحركات الأنظمة الموالية للغرب من الإطاحة في الدول العربية وتركيا بسبب تصعيد وحقن المشاعر المعادية للشباب الإسلامي ضد الغرب خاصًة الذكور في الفئة العمرية المحصورة بين 16 و30 عامًا، وهذا يؤدي إلى هجوم عربي كبير على إسرائيل ولن يستطيع الأسطول السادس للولايات المتحدة من إيقافه.
  • ستتحول اليابان من المسار المحايد إلى المؤيد للصين بعد النجاحات العسكرية التي ستحققها الدولة الصينية، وبذلك ستحتل اليابان القواعد الأمريكية المقامة على أراضيها مما يُجبر الولايات المتحدة إلى إجلاء قواتها من تلك القواعد وإعلان محاصرتها اليابان وحدوث اشتباكات متفرقة في غرب المحيط الهادئ بين السفن الأمريكية واليابانية.
  • وفي بداية حدوث هذا الصراع سوف تعرض الصين على روسيا تنظيم اتفاقية أمنية متبادلة وسترفض روسيا هذه الاتفاقية وتقف ضد الصين خوفًا من السيطرة الصينية على شرق آسيا ولهذا ستعزز قواتها في سيبيريا، الأمر الذي سيدفع العديد من المستوطنين الصينيين هناك لإطلاق ثورة ودفع القوات الصينية إلى دخول الصراع واحتلالها فلاديفوستوك ووادي نهر أمور وأجزاء رئيسية أخرى من شرق سيبيريا، وجرّاء انتشار القتال بين القوات الروسية والصينية في وسط سيبيريا حدثت انتفاضات في منغوليا بالرغم من حمايتها من قِبَل الصين.
  • اقتصرت الافتراضيات حول الحروب العدائية لنظرية هنتنغتون إلى الآن على شرق آسيا وشبه القارة الهندية تمهيدًا إلى حدوث الحرب العالمية، ويُفترَض أيضًا انتشار صواريخ متوسطة المدى وذات قدرة نووية سريّة من قِبَل الصين وإيران في كل من البوسنة والجزائر ترهيبًا لحلفاء أمريكا الأوروبيين لعدم الانضمام إلى الولايات المتحدة.
  • تغزو صربيا البوسنة لاستعادة دورها التاريخي كمدافع عن المسيحية ضد الأتراك وتنضم لها كرواتيا لتقسّما البوسنة لاحقًا وتستوليان على الصواريخ المعثور عليها والاستمرار بالتطهير العرقي الذي أوقِفَ سابقًا في التسعينيات مما حثّ ألبانيا وتركيا على مساعدة البوسنيين، ومن ثم غزو كلًا من اليونان وبلغاريا على تركيا، وأثناء هذا الصراع سينطلق صاروخ نووي من الجزائر وسينفجر خارج مرسيليا وبذلك يحقق حلف شمال الأطلسي مراده من خلال هجمات جوية مدمرة على أهدافه في شمال إفريقيا.
  • تتبنى فرضية هنتنغتون أيضًا أن هناك صراع عالمي بين تحالفين، التحالف الأول بين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والهند من جهة، والثاني بين الصين واليابان ومعظم الدول الإسلامية من جهة أخرى وذلك لامتلاك كُلًّا من الطرفين إمكانتيات نووية كبيرة باستطاعتهما استخدامها وتفعيلها مما يرجّح تدمير كلاهما بشكل كبير، وبسبب فعالية الدمار الذي قد يحصل سيلجأ الطرفين إلى إقامة هدنة تفاوضية بينهما.
  • باستطاعة الغرب هزيمة الصين من خلال مؤازرة التمرّد من قِبَل التبتيين والأويغور والمنغوليين ضد الحكم الصيني بالإضافة إلى نشر القوات الغربية والروسية في شرق سيبيريا لبدء هجوم نهائي على كل من بكين ومنشوريا ومنطقة هان.
  • سيتوجه مركز السياسة العالمية جنوبًا إلى الدول المبتعدة عنها مثل دول أمريكا اللاتينية، ونيوزيلندا، ومينامار، وسريلانكا، وفيتنام، وإندونيسيا، والهند بسبب انخفاض القوة الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية لكل من المشاركين في الحرب نتيجة لهذا الصراع.

انتقاد النظرية

حدث الكثير من الجدل بعد انتهاء الحرب الباردة وظهرت العديد من التنبؤات حول مصير العالم ومنها نظرية صراع الحضارات في كتاب صموئيل هنتنغتون الصادر عام 1996 بعنوان "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي" والذي افترض فيه بشكل أساسي قيام النزاعات بين الدول مستقبلًا على أساس الاختلافات الثقافية والحضارية بدلاً من الأيديولوجية وشكّل ذلك خلال فترة التسعينيات انتقادًا كبيرًا ضد نظريته لرؤيتها بإطار همجي وعنصري وبعيدًا عن الواقع، ثم لاقت بعض التأييد بعد حدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر لكن لم تتبنى أي إدارة وجهة نظر هنتنغتون رسميًا في أي مكان حول العالم بما فيهما إدارتا جورج بوش وباراك أوباما أثناء تنصيب كل منهما رئيسًا على الولايات المتحدة الأمريكية مؤكدين على محاربة المتطرفين وليس الفكر الإسلامي بحد ذاته وأكدوا على أن نظرية هنتنغتون تقدّم دليلًا ضعيفًا لعالم معقّد.[٣]


تعرف على أسباب نشأة صراع الحضارات

ظهرت نظرية صراع الحضارات تبعًا لحدوث العديد من التغيرات الجذرية في ثقافة الشعوب وهوياتهم عقبَ حدوث الحرب الباردة، حيث أعادت السياسة العالمية تشكيل الأسس الثقافية للبلدان وغيّرت العديد من المنهجيات السائدة في تلك العادات ونهضت العديد من الشعوب ضد قرارات لم يعيروا لها انتباهًا في وقت سابق مثل احتجاج 70,000 شخص من مختلف المناطق اللاتينية والمكسيك في لوس أنجلوس عام 1994 على الاقتراح 187، الذي يتضمن استفتاء يمنع الكثير من الفوائد التي تقدمها الدولة للمهاجرين غير الشرعيين وأطفالهم في الولايات المتحدة.

يعد النمط الغريب في هذا الاحتجاج رفع الأعلام المكسيكية مطالبين بحقوقهم وليس علم البلد نفسه إذ أن أعلام الدول تُعد من رموز الهوية الثقافية الظاهرة بعد الحرب الباردة، بالإضافة إلى الرموز الأساسية لمختلف الأديان مثل الصليب والهلال وغطاء الرأس، وكل هذه العناصر تعد من أساسيات الهوية الثقافية منذ القِدَم لكن في تلك الفترة ظهرت إلى العلن بشكل ملفت مما جعلها تشكل أنماط التماسك والتفكك والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة ولهذا أطلق هنتنغتون نظرية صراع الحضارات.[٤]


قد يُهِمُّكَ

ارتبط مفهوم العولمة بنظرية صراع الحضارات ارتباطً كبيرًا بعد ازدياد أعداد الافراد في الدول النامية أو العالم الثالث والذي يتضمن العديد من الاختلافات الحضارية والثقافية والدينية وبالتالي التأثير على المصالح الاقتصادية وهو الأمر الذي اعتبره هنتنغتون سببًا جذريًا لمشكلة صراع الحضارات المؤثرة على جميع دول العالم؛ لأن المصالح الاقتصادية تؤدي دور كبير في قوى الدفاع ضد الاختلافات المؤدية إلى هذه الصراعات، لذلك وُجِدَ أن العولمة هي الحل النهائي لتجنب حدوث هذه الصراع بسبب فكرتها القائمة على الترابط والتناغم والتقبّل بين الدول وامتدادها بالتأثير على كل من الجانب الاقتصادي والسياسي والعسكري.[٥]


المراجع

  1. "clash of Civilizations", oxfordreference, Retrieved 2020-12-02. Edited.
  2. "Theory of Clash of Civilizations", susmitkumar, Retrieved 2020-12-03. Edited.
  3. "What We Get Wrong About the Clash of Civilizations", cato-unbound, Retrieved 2020-12-04. Edited.
  4. "The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order", washingtonpost, Retrieved 2020-12-04. Edited.
  5. "Globalization and the Clash of Civilizations", springer, Retrieved 2020-12-04. Edited.