مفهوم التنمية السياسية

بواسطة: - آخر تحديث: ١٠:٥١ ، ٢٠ يناير ٢٠٢١
مفهوم التنمية السياسية

مفهوم التنمية السياسية

لا شك أن مجالات التنمية تتعدد وتتنوّع، والمجال السياسي ليس بعيد عن المجال التنموي، فحتى الأنظمة السياسية والخطط التي تضعها الدول بحاجة إلى تنمية، ويمكن تعريف مفهوم التنمية السياسية على أنه تطوير المؤسسات الحكومية والمواقف والقيم التي تشكّل النظام السياسي في الدولة والسلطة السياسية في المجتمع، ومع هذا لا يمكن اعتماد تعريف واحد للتنمية السياسية؛ لأنها تعكس اهتمامات المجتمع والمحللين السياسيين، ويجب أن تستجيب لمتطلبات النظام السياسي الخاص بكل دولة.

ولهذا يتم تعريفها في سياقات عدّة، فقد أورد معجم أكسفورد هذه التعريفات وقال إن إحدى صيغ التنمية السياسية تتعلق بظهور السيادة الوطنية وسلامة الدولة والتي تتطلب احترام التزامات النظام الدولي والتمسّك بها، وتتعلق صيغ التنمية السياسية الأخرى بتحديد السمات المحلية للنظام الدستوي والاستقرار السياسي في الدولة، والذي لا يتحقق إلا بتشكيل الحكومة لإطار عمل مستقر، وباتخاذ إجراءات موثوقة لتعاقب القيادة، وتعدّ التنمية السياسية أمرًا هامًا للدولة تساعدها على تعبئة مواردها وتخصيصها لتعزيز المدخلات السياسية وتحويلها إلى مخرجات فعّالة وقابلة للتنفيذ، وكل هذا سيساعد الدولة في حل مشكلاتها، وتحقيق أهدافها، والتكيّف مع المتغيرات السياسية المفاجئة.[١]


ما أهداف التنمية السياسية؟

تعد التنمية السياسية عنصرًا هامًا للاستقرار والتطور الاجتماعي والإنساني؛ وذلك لأنها عملية تطور شامل تتخذ العديد من الأشكال الهادفة للارتقاء بالوضع اللاإنساني، وفي السطور التالية سنتحدث عن أهدافها:[٢]

  • التعددية: من أجل تحقيق النمو الاقتصادي والمنافسة السياسية والمشاركة الانتخابية على قاعدة ترسيخ المفاهيم الوطنية والولاء للوطن والدولة، وكل ذلك ضمن معايير، وأول هذه المعايير تحديد هوية المجتمع ليكون مجتمعًا متماسكًا يحكمه انتماء سياسي موحد.
  • تحقيق الشرعية: بحيث يكون المجتمع متآلفًا ومنسجمًا مع النظام في بناء الدولة العصرية التي تعزز الولاء للوطن وتقدم أقصى ما يمكنها من أجل خدمة الشعب، مع ضمان تحقيق مبدأ العدالة للجميع.
  • المشاركة السياسية الفاعلة: والتي يجب أن يضمنها النظام السياسي لكافة أطياف المجتمع، على أن تكون بصورة مستمرة وغير منقطعة ومجدية بالنسبة للمواطن بحيث يشعر أنه جزءًا فاعلًا في مجتمعه يمكنه المشاركة في القرارات السياسية الخاصة ببلده.
  • التوزيع العادل للمزايا والمكتسبات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية: والتساوي في الحقوق والواجبات بالنسبة للأفراد جميعًا، على أن يتعرف كل مواطن على تلك الحقوق والواجبات ضمن الدستور بما يمنحها المدلول القانوني المشروع.


طرق تحقيق التنمية السياسية

هنالك العديد من الطرق والآليات التي يمكن أن تُسهم في تفعيل دور التنمية السياسية وتحقيقها على أرض الواقع، وإليك بعضًا من ذلك:[٣]

  • آلية الإصلاح والتنمية السياسية المؤسسية، إذ تصبح عملية بناء المؤسسات الإدارية هي القلب في الدراسات السياسية، وتشكل الثقافة السياسية المناخ السيكولوجي المحيط بها، وذلك من خلال تقديم الاقتراحات والحلول لإشكالية إهدار الوقت والموارد خلال دورة العمل، على اعتبار أن الإدارة العامة يمكنها المساهمة بتحقيق النمو، ومحاربة الفقر، وتحديد التوجهات الجديدة المفيدة، وتقديم الموارد والخدمات بأقل التكاليف، وتُعرَف هذه الآلية بالحكم الرشيد وهي من أفضل الآليات لتحقيق التنمية.
  • إحاطة الأحزاب السياسية بالكثير من العلم والمعرفة حول ظهورها والعوامل الخارجية والداخلية المؤثرة على نسق بنائها، مما سيجعلها أكثر تناغمًا من الناحية الإيديولوجية وستعمل على حفظ وتطوير المصالح الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تحديد المهام الأساسية التي يجب أن تُشرِف عليها الأحزاب مثل ربط المصالح وسواها، وكذلك القيام بأنشطة التعبئة السياسية والتنشئة.
  • القيام بمهام النخبة أو القيادة السياسية على خير وجه من التخطيط وتوجيه الرأي العام داخل المجتمع، والتركيز على الأهداف التي يجب تحقيقها والمشاكل التي تواجه المجتمع وكيفية حلّها، وكذلك القيام بمهمة التنسيق والموائمة بين أنشطة المؤسسات والهياكل التنظيمية المختلفة داخل وخارج الدولة بغرض الوصول إلى أفضل وصفة مشتركة ومنسقة للعمل في إطار المجتمع ومواجهة أزماته.


التحديات التي تواجه التنمية السياسية

لعلك أدركت أهمية التنمية السياسية وسبب السعي الدائم لتحقيقها من قِبل الدول، إذ إنها تعد دليلًا على تقدم الأمم وتطورها واندماجها في ركب التقدم السريع الذي يشهده العالم، إلا أن هنالك العديد من الأزمات والتحديات المتعلقة بالتنمية السياسية والتي تنشأ من عدم تطور النظام وبنيته وعدم مقدرته على تلبية المطالب واستيعاب المدخلات الجديدة ومعالجتها، وتختلف هذه التحديات باختلاف الدولة وظروفها السياسية، ولكن ستتعرّف فيما يلي على التحديات الأساسية التي قد يواجهها أي نظام سياسي في سعيه للتنمية:[٤]

  • مشكلة بناء الدولة والتي تتعلق بعدم قدرة السلطة المركزية على التوحيد والسيطرة وإخضاع كافة فئات المجتمع لسلطتها.
  • مشكلة بناء الأمة المرتبطة بالهوية وولاء الجماعة، إذ إن هنالك ولاءات أقوى من الولاء للأمة ما يعرقل عملية التوحيد والتنمية السياسية.
  • مشكلة المشاركة، إذ إنه لا توجد فرص للمشاركة في ظل غياب الآليات المناسبة للمواطنين في عمليات صنع القرار في النظام السياسي.
  • مشكلة التوزيع المتمثلة في عدم توزيع السلع والقيم والخدمات بصورة عادلة وكافية من النظام السياسي إلى المواطنين.
  • وتختلف التحديات السابقة عند الانتقال إلى دولة أخرى، ففي التجربة الأفغانستانية كان انعدام الأمن والفساد من أبرز المعوقات والتحديات التي واجهتها خطط التنمية السياسية، وأثر على ذلك أيضًا كل من نقص الثقة، وتضارب المصالح، وأنظمة السلطة الموازية والمتضاربة، بالإضافة إلى شعور السكان بالحرمان وعدم الارتباط مع النظام السياسي والنخب السياسية في بلدهم، كما أن الجمع بين النظام الرئاسي وبنية الدولة الرسمية شديدة المركزية في أفغانستان أدى إلى تعزيز الميراث على حساب التطوير المؤسسي.[٥]


قد يُهِمُّكَ: مؤشرات التنمية السياسية

لقد عرفت من خلال تعريف التنمية السياسية سابق الذكر بأنها حالة غير ملموسة، فكيف يمكن لأي حكومة أو شعب أو مجتمع أن يلمس التغييرات الجديدة أو يضمن سيرها على الطريق السليم نحو التنمية؟، يمكن ذلك من خلال رصد مجموعة من المؤشرات والمقومات التي سرعان ما تتوالى تباعًا، وفيما يلي سنتحدث عنها:[٦]

  • مبدأ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وضمان حرية التعبير، واستقلال القضاء، والحد من تعسف السلطة السياسية، وضمان حقوق المواطنين كافة.
  • وجود مجتمع مدني فاعل يتمتع بقدرٍ جيد من الاستقلال والحرية.
  • توافر ثقافة سياسية مدنية تقوم على أساس التسامح والحوار واحترام الرأي الآخر.
  • مشاركة سياسية ديمقراطية شفافة في صنع القرارات السياسية بناءً على أسس حديثة.
  • تطور التشريعات والعمل على تحديثها بما يتماشى مع المتطلبات الخارجية والداخلية للمجتمع.
  • وجود برلمان مؤسسي يمثل الإدراة الحقيقية للشعب، بحيث يتمكن من ممارسة صلاحياته الدستورية في الرقابة على السلطة التنفيذية والتشريعة باستقلالية، ويسهم في صنع السياسة العامة للدولة.
  • وجود نظام سياسي قادر على التكيّف من خلال تطوير مؤسساته المختلفة لاستيعاب التغيير الذي يطرأ على المجتمع، وقادر على استخراج الموارد وتوزيعها على كافة أفراد الشعب بعدالة.
  • إطلاق الحريات بين جميع فئات المجتمع الواحد، بعيدًا عن الإرهاب الفكري والخوف، وحماية الحريات المسؤولة كونها عماد الديمقراطية.
  • وجود تعددية فكرية شاملة بين الثوابت التي يقوم عليها المجتمع، دون أن يدعي طرف من الأطراف ملكيته للحقوق أو حمايته للمصلحة الوطنية على حساب الطرف الآخر.
  • تحقيق الحقوق والواجبات بين الأفراد بصرف النظر عن جنسياتهم أو أديانهم أو أعراقهم أو انتماءاتهم، وعدم النظر للدولة على أساس المصلحة الخاصة لكل فرد.


المراجع

  1. "political Development", oxfordreference, Retrieved 19/1/2021. Edited.
  2. حمودي جمال الدين (1/3/2019)، "التنمية السياسية: ركن اساسي من اركان بناء الدولة الديمقراطية الحديثة"، الحوار المتمدن، العدد 6160، صفحة 1. بتصرّف.
  3. "التنمية السياسية .. مقاربة نظريـــة"، المركز العربي للبحوث الدراسات، 12/7/2020، صفحة 1. بتصرّف.
  4. حساني بوعكاز (2015)، "التنمية السياسية بين النظرية والتطبيق دراسة حالة الجزائر 1988-2014"، جامعة الطاهر مولاي سعيدة، صفحة 60. بتصرّف.
  5. William Maley (1/1/2011), "Challenges of Political Development in Afghanistan: Mass, Elite and Institutional Dimensions", SAGE Journals, Issue 1, Folder 48, Page 21-41. Edited.
  6. قزادري حياة، "لتنمية السياسية:المفهوم..المشكلات والمقومات والآليات "، سيلو ، صفحة 5-6. بتصرّف.