مفهوم التجديد في الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة

مفهوم التجديد في الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة
مفهوم التجديد في الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة

التجديد في الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة

القرن الثاني للهجرة هو القرن الذي ظهرت فيه الدولة العباسية، فكان الأعوام 127-132 للهجرة أعوام سقوط الخلافة الأموية، ولكن بدأت تظهر ملامح الدولة العباسية منذ عام 129 للهجرة، أي قبل أن تسقط الدولة الأموية بثلاث سنوات، وبهذا يمكن القول بأن القرن الثاني للهجرة هو فترة حكم الدولة العباسية،[١]فظهر الشعراء المجددون في القرن الثاني الهجري بمنهج شعري جديد وثقافة ومواضيع أوسع، وكما هو معروف فتميّز العصر العباسي بالتطور والتجديد الذي طرأ على الشعر والنثر وبنية القصيدة الشعرية، فاخترعوا أوزان وقوافٍ شعرية جديدة لم تكن معروفة من قبل واستحدثوا أسلوبًا شعريًا جديدًا يعتمد على الألفاظ التي تقع بالوسط بين اللغة البدوية التي تزخر بالألفاظ والكلمات الوحشية الغريبة، ولغة العامة التي تزخر بالكلمات المبتذلة، كما ظهرت أيضًا موضوعات شعرية جديدة، فجدّد العباسيون في الرثاء والمدح والهجاء والوصف والزهد، أما من ناحية الوزن والقافية، فشاعت في قصائدهم الأوزان الخفيفة مثل الأوزان الموجودة في قصائد البحتري.[٢]


ما هي مظاهر التجديد في الشعر العربي في القرن الثاني للهجرة؟

عرف الشعر في القرن الثاني الهجري وفي العصر العباسي تحديدًا نقلة نوعية في ميدان التجديد الشعري، ومن أبرز مظاهر هذا التجديد ما يأتي:[٣]

  • البعد عن القصائد المطوّلة: قد يكون أول ما جدّد به الشعراء العباسيون أنهم ابتعدوا عن القصائد المطوّلة والتزموا بالقصائد الخفيفة والقصيرة والتي لم يتجاوز بعضها بضعة أبيات.
  • الغناء: كان معظم الشعراء يغنون ويقدمون قصائدهم في إطار موسيقي.
  • التجديد في الألفاظ والمعاني والأغراض: إذ دخل ما هو جديد من المعاني والكلمات بسبب التغيير الحاصل في الحياة العباسية الذي أثر بدوره على الشعر من ناحية المعاني والألفاظ والأساليب والأغراض، واعتمد الشعراء نهجًا مختلفًا في الشعر عن نهج الشعراء الأمويين، فظهرت أساليب ومعان جديدة، واستخدم الشعراء مذاهب جديدة في وصف الكلمات والتعبير عنها، وتحوّلت القصائد من قلة التنوّع إلى وفرة البديع والاستعارات والتشابيه، بالإضافة إلى دخول كلمات وألفاظ جديدة من الحضارات والدول واللغات الأخرى.
  • التجديد في الأوزان والقوافي وبحور الشعر: إذ لم يلتزم الشعراء في هذا العصر بالبحور والأوزان الشعرية المعروفة، بل اخترعوا أوزانًا وقوافٍ لم تكن معروفة من قبل، وانتشار الموسيقى والغناء هو الذي ساعد على تغيير أوزان وقوافي الشعر آنذاك.
  • التجديد في بنية القصيدة: إذ لم يكن الشعراء المجددون على ارتباط وثيق بالتراث الشعري القديم، ولم يكونوا حريصين حتى على شكله ومضمونه، فكانوا يرفضون اتباع منهج الشعراء القدماء في الوقوف على الأطلال، ووصف المعاناة، لذلك دعوا إلى ترك المقدمة الطَللية في القصيدة والبدء بموضوعات أخرى تناسب البيئة الحضارية الجديدة التي يعيشونها، ولكن لم يمنع هذا من أن بعض الشعراء اشتقوا أشعارهم من معاناتهم في حياتهم وبيئتهم، ولم يقتصر التجديد على مقدمة القصيدة فقط بل تعداه إلى التجديد في عمود الشعر، إذ توحدت القصيدة وتوحد موضوعها بعدما كانت مُقسّمة، كما كثرت الحكم المنقولة من التراث الفارسي التي أثرت على الصور والمعاني.
  • التجديد في الصنعة الأسلوبية: تجلّت مظاهر الصنعة الفنية في الشعر باستخدام ألوان البديع من طباق وجناس ومقابلة واستعارة وغيرها.[٤]
  • ظهور أغراض شعرية جديدة: كالغزل والزهد والتغنّي بالشعبوية، والزندقة والإلحاد، والمجون والشعر التعليمي.[٥]


أشهر شعراء القرن الثاني للهجرة

تعرف فيما يلي على أشهر شعراء القرن الثاني الهجري:[٦]

  • بشار بن برد: هو بشار بن برد بن يرجوخ، ولد عام 91 هـ، أصله فارسي وليس عربي، لكنه نشأ نشأة عربية فأتقن الكلام الفصيح، وكان شاعرًا فطنًا أتقن جميع أبواب الشعر، وهو رأس الشعراء المجددين، وقد أجمع الرواة على أن بشار بن برد مات مقتولاً سنة 168هـ بأمر من الخليفة المهدي، ومن شعره:

إذا كنتَ في كلّ الأمورِ معاتبًا

صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

فعش واحدًا أو صِل أخاك، فإنه

مُقارف ذنبٍ مرة ومجانبه

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى

ظمئتَ، وأيُّ الناسِ تصفو مشاربه

إذا الملكُ الجبــارُ صَعَّر خـدّه

مشينا إليه بالسيوفِ نُعاتبه

وجيشٍ كجنحِ الليل يزحفُ بالحصى

وبالشوكِ، والخَطّيِّ حُمرٌ ثعالبه

غدونا له والشمس في خِدرِ أمّها

تطالعنا والطَّلُ لم يجرِ ذائبه

بضربٍ يذوق الموتَ من ذاقَ طعمَهُ

وتُدركُ من نجّى الفرارَ مثالبُه

كأنَّ مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسنا

وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبه


  • أبو العتاهية: هو إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان ولد عام 130هـ، كان أبوه من الموالي، وكان أبو العتاهية قبيح الوجه، تميّز أسلوبه الشعري بالمرونة والبعد عن التعقيد والغرابة، وكان من الشعراء المجددين فقد اخترع أوزانًا شعرية جديدة، ومن أهم الموضوعات الشعرية التي كتب عنها الزهد والمديح، توفي أبو العتاهية رحمه الله في بغداد سنة 210هـ، ومن أشهر شعره في الزهد:

إِذا ما خَلَوتَ الدَهرَ يَوماً فَلا تَقُل

خَلَوتُ وَلَكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ

وَلا تَحسَبَنَّ اللَهَ يُغفِلُ ما مَضى

وَلا أَنَّ ما يَخفى عَلَيهِ يَغيبُ

لَهَونا لَعَمرُ اللَهِ حَتّى تَتابَعَت

ذُنوبٌ عَلى آثارِهِنَّ ذُنوبُ

فَيا لَيتَ أَنَّ اللَهَ يَغفِرُ ما مَضى

وَيَأذَنُ في تَوباتِنا فَنَتوبُ

إِذا ما مَضى القَرنُ الَّذي كُنتَ فيهِم

وَخُلِّفْتَ في قَرنٍ فَأَنتَ غَريبُ

وَإِنَّ امرَأً قَد سارَ خَمسينَ حِجَّةً

إِلى مَنهَلٍ مِن وِردِهِ لَقَريبُ

نَسيبُكَ مَن ناجاكَ بِالوِدِّ قَلبُهُ

وَلَيسَ لِمَن تَحتَ التُرابِ نَسيبُ

فَأَحسِن جَزاءً ما اجتَهَدتَ فَإِنَّما

بِقَرضِكَ تُجزى وَالقُروضُ ضُروبُ


  • أبو تمّام: هو حبيب بن أوس الطائي، ولد عام 192هـ، في قرية جاسم قرب دمشق، فنشأ بدمشق في بيئة مُحبة للعلم، فكان يتردد على مجالس العلم والأدب وحلقات المسجد منذ صغره، ثم انتقل إلى مصر فتعلّم من علمائها وأُدبائها، ثم رجع إلى دمشق مرة أخرى واتصل بالخليفة المأمون، وكان يمدحه في شعره ويتغنى بانتصاراته على الروم، كما ذهب إلى العراق في زمن الخليفة المعتصم بالله، فصار يتغنَّى في شعره بانتصارات المسلمين وفتوحاتهم، وما يلي شيءٌ من شعره في مدح الخليفة المعتصم بالله ويصف فيه فتح عمورية:

السَيفُ أَصدَقُ إنباءً مِنَ الكُتُبِ

في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ في

مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ

وَالعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامِعَةً

بَينَ الخَميسَينِ لا في السَبعَةِ الشُهُبِ

فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ

نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَو نَثرٌ مِنَ الخُطَبِ

فَتحٌ تَفَتَّحُ أَبوابُ السَماءِ لَهُ

وَتَبرُزُ الأَرضُ في أَثوابِها القُشُبِ

يا يَومَ وَقعَةِ عَمّورِيَّةَ اِنصَرَفَت

مِنكَ المُنى حُفَّلاً مَعسولَةَ الحَلَبِ

أَبقَيتَ جَدَّ بَني الإِسلامِ في صَعَدٍ

وَالمُشرِكينَ وَدارَ الشِركِ في صَبَبِ


  • شعراء آخرون: ومن الشعراء العباسيين أيضًا؛ ابن الرومي، ابن دريد، المتنبي، أبو العلاء المعري.


قد يُهِمُّكَ: التجديد في الشعر العربي الحديث

كان الشعر العربي قبل عصر النهضة، وتحديدًا في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي وما قبله، لا يهتم بحياة الناس وقضاياهم المعاصرة ولكن يُعالج الموضوعات الفردية والمادية فقط التي لا تمس روح الشعر، فهو لا يُعبر عن معاناة الشاعر وتجاربه، ولا عن معاناة الناس وحياتهم وهمومهم، فغدا الشعر لا يشبه الشعر إلا بالوزن والقافية فقط كالشعر في المناسبات والشعر الارتجالي والألغاز، إذ كان يفتقر إلى العاطفة والخيال والتصوير الفني، حتى قيل أن الشاعر قد أصيب بالجمود الفني.

لكن تغير الوضع في العصر الحديث، إذ كان لعوامل النهضة تأثيرًا مهمًا في الشعر، فتولّدت رغبة ملحة لدى الشعراء في التغيير والتجديد خاصةً في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، وذلك بجهود بعض الشعراء مثل محمد سعيد الحبوبي في العراق، ومحمود سامي البارودي في مصر، فنشأت محاولات جادة لتطوير وتجديد الشعر العربي مثل إنشاء مدرسة الإحياء التي كانت تدعو إلى محاكاة الشعر العربي القديم في أوقات مجده والنهوض به والاهتمام بقوة الأسلوب الشعري والبعد عن الأخطاء والركاكة في التعبير والألفاظ، والعودة إلى شكل القصيدة التي تحتوي على الوزن والقافية، واستمرت دعاوي التجديد حتى وصل الشعر العربي إلى ما وصل إليه من التجديد الحقيقي في منتصف القرن العشرين.[٧]


المراجع

  1. على ابراهيم حسن، التاريخ الإسلامى العام: الجاهلية، الدولة العربية، الدولة العباسية، صفحة 326-327. بتصرّف.
  2. حمود السلامة، إبراهيم الدريعي، أحمد المشعلي، الأدب العربي، صفحة 17-27. بتصرّف.
  3. د. أحمد السعدي (29/11/2018)، "مظاهر التجديد في العصر العباسي"، جامعة بابل، اطّلع عليه بتاريخ 7/1/2021. بتصرّف.
  4. حمود السلامة، ابراهيم الدريعي، أحمد المشعلي، الأدب العربي، صفحة 26-27. بتصرّف.
  5. أحمد عقل، صراع الحضارات وأثره في الشعر العربي في العصر العباسي الأول القرن الثاني الهجري، صفحة 71. بتصرّف.
  6. حمود السلامة، ابراهيم الدريعي، أحمد المشعلي، الأدب العربي، صفحة 38-67. بتصرّف.
  7. د.أحمد المساعدي (29/9/2017)، "محاولات التجديد في الشعر العربي الحديث"، جامعة بابل، اطّلع عليه بتاريخ 6/1/2021. بتصرّف.

458 مشاهدة