معنى الليبرالية والعلمانية

معنى الليبرالية والعلمانية

معنى الليبرالية ونشأتها

من المؤكد أن "الليبرالية" من المصطلحات التي طرقت مسامعك مؤخرًا، الأمر الذي دفعك للبحث عن ماهيتها وأصلها، فما هي الليبرالية؟، الليبرالية هي اتجاه فكري سياسي، يتبنى مفاهيم الحرية على إختلافها وتنوّعها، ويؤمن بضرورة حماية وتعزيز حرية الفرد، حيث أن الفرد لا الجماعة هو محور العمل، أي أن كل المشاريع والجهود المبذولة من الدولة يجب أن تصب في صالح الفرد. ويرى الليبراليون أن الحكومات ضرورية لحماية الأفراد وحرياتهم، إلّا أنهم  يدركون في نفس الوقت بأن الحكومة نفسها يمكن أن تكون مصدر تهديد للحرية الشخصية، فيرون أن الحكومة في أحسن الأحوال "شر لا بد منه"، لذلك يسعون لابتكار نظام يمنح الحكومة القوة اللازمة لحماية الحرية الفردية، ولكنه يمنع الفاسدين فيها من إساءة استخدام سلطتهم.

على الرغم من أن الأفكار الليبرالية لم تكن منتشرة بكثرة في السياسة الأوروبية حتى أوائل القرن السادس عشر، إلا أن جذورها تعود إلى العصور الوسطى وما قبلها. أوروبا سابقًا كان نظامها طبقي، وإقطاعي مجحف بحق من صُنفوا من الطبقة الدنيا، ولكن بعد "عصر النهضة"، تغيّرت الأحوال في أوروبا بسبب التحول التجاري والتحضر وحركات النهوض الفكري، وحينها بدأ التقسيم الطبقي الإقطاعي للمجتمع الأوروبي بالاندثار، وخلال حرب الثلاثين عامًا (1618-1648)  كُسرت السلطة البابوية في معظم شمال أوروبا، وبدأ ظهور حركات تدعو للحرية والتحرر فانتشر حينها مفهوم الليبرالية.[١]


معنى العلمانية ونشأتها

في حين أن مفهوم العلمانية نفسه له جذور تاريخية عميقة، إلّا أنه كمبدأ سياسي وكما نُعرّفه اليوم يرجع إلى القرن التاسع عشر فقط، عندما صاغه البريطاني جورج جاكوب هوليواك. فما هي العلمانية؟ وعلى ماذا تنطوي؟ وكيف نشأت؟، يرى الباحث الفرنسي جان بوبيروت بأنه يمكننا تعريف العلمانية وفهمها من خلال النظر للمجتمع العلماني نفسه وتشريحه، وحسب بوبيروت فإن للمجتمع العلماني ثلاثة مكونات أساسية وهي:[٢]

  • فصل المؤسسات الدينية في الدولة عن باقي المؤسسات الحكومية "التابعة للدولة".
  • ضمان الحريات بالمطلق للأفراد والمواطنين، ومن ضمنها حرية الضمير، أي حرية المُعتقد،  بشرط عدم تصادم الخريات الدينية للأفراد مع النظام العام والتزامهم باحترام حقوق الأفراد الآخرين.
  • عدم التمييز من قبل الدولة ضد الأفراد على أساس معتقداتهم، على إختلافها.

العلمانية كتيار فكري وسياسي تاريخ قديم، إلّا أن أمريكا وفرنسا -خلال ثوراتهما السابقة-، أول دولتين تحولتا لمجتمع علماني كامل محققًا للمكونات الثلاث السابقة، كان للثورتين مساران مختلفان، فالثورة الفرنسية مثلًا كانت معادية لرجال الدين بشكل أكثر صراحة من الثورة الأمريكية، وذلك لأن عددهم كان أقل بكثير. لذا في القرن التاسع عشربالفترة ما بين (1870-1940)، التزمت فرنسا بالنظام العلماني للدولة وأصبح أيدلوجيتها الرسمية من فرنسا والولايات المتحدة إلى تركيا والهند. ففي تركيا، أُعلن أول دستور وكان ينص على أن الإسلام هو دين الدولة، بعدها وفي عام  أُلغي هذا الإعلان عام 1928 وبحلول عام 1937 نص الدستور التركي على أن الجمهورية التركية، جمهورية علمانية. أمّا في الهند وأثناء قيادة غاندي لحركته من أجل استقلال الهند عام 1927، كتب غاندي أنه يحلم بهند "متسامحة تمامًا، وبوجود أديان تعمل جنبًا إلى جنب مع بعضها البعض"، وفي عام 1949 نص الدستور الهندي على تكريس عناصر العلمانية في القانون.[٢]


أبرز مفكري الليبرالية

تطور الفكر الليبرالي وتغيّر على مر السنين، لذا قد تكون على دراية بأسماء مفكرين كثر ممن تبنوا الفكر الليبرالي وكانوا من مناصريه كتيار سياسي واجتماعي، ولكن سنتطرق للحديث ليس عن أبرز مفكري الليبرالية وحسب، بل عمّن لُقب ب"أبو الليبرالية"، وهو الفيلسوف والمنظر السياسي الإنجليزي جون لوك (1632-1704)، وضع جون لوك الكثير من المبادىء والمفاهيم الفكرية الأساسية لعصر التنوير وقدم مساهمات مركزية في خلق الليبرالية كمفهوم أوّلاً ثم تطوّرها لاحقًا.

كان لوك محبًّا للعلم، فدرس الطب وعمل به فترة، وبجانب اهتماماته العلمية، اهتم بالسياسة والفكر وعلم الاجتماع، وكان له مقالات وكتابات كثيرة في هذه المجالات، أشهرها نظريته عن الذات، حيث كان يرى بأن الذات البشرية صفحة فارغة، يمكننا ملؤها وتدريبها على ما نشاء،  وأنها تتكون مع الوقت، نتيجة ضخها بالمعرفة والخبرات المتراكمة، وكان له مقالات وقراءات أخرى تتعلق بالفهم البشري وذات الانسان، أمّا على الصعيد العلمي فقد كان أبرز المدافعين عن المناهج التجريبية للثورة العلمية.

أثرت مقالات جون لوك ونظرياته الفكرية والسياسية المتعلقة بضرورة الاصغاء للمحكومين "المواطنين" على وثائق تأسيس الولايات المتحدة، فكانت مقالاته كلها تتعلق بأهمية حماية الحقوق الطبيعية الثلاثة للفرد وهي: "حق الحياة، والحرية وحق التملك"، فيما يرى العديد من المؤرخين بأن أثر لوك ومقالاته تجلى فيما يفوق وثائق تأسيس الولايات المتحدة المريكية، وأن أعماله بمجملها خاصة التي شرحت وبيّنت أهمية التسامح الديني كانت عاملًا مبكرًا ساهم في تحريك عمليات الفصل بين الكنيسة والدولة.[٣]


أبرز مفكري العلمانية

أبرز مفكري العلمانية وواضع أُسسها الثلاث وأول من أقر مفهومها هو البريطاني جورج جاكوب هوليواك، كان هوليواك من أبرز رجالات انجلترا في عصره، حيث عُرف بثقافته الشديدة وحبه للاطَلاع، كما عرف أيضًا بنشاطه الكثيف من أجل نشر العلمانية ونشر مبادئها، فكان مدافعًا عن كافة الحريات الشخصية على تنوعها خلال القرن التاسع عشر، حيث كتب أكثر من 160 كتابًا وكتيبًا وحرر العديد من المجلات التي تدافع عن حريات الأفراد وتطالب في حقوقهم، بما في ذلك مجلتيّ The Movement و The Reasoner في بريطانيا، و كان هوليواك آخر شخص في إنجلترا يُسجن بتهمة الإلحاد، أثر تهكمه على الحكومة البريطانية أثناء استضافته في محاضرة عامة في شلتنهام في عام 1842.

يعتبر هوليواك أول من اقترح مصطلح "العلمانية" وأقرّه، حيث عمل على تأسيس وتنظيم جمعيات علمانية وشغل منصب نائب الرئيس في أولى هذه الجمعيات، وهي "الجمعية الوطنية العلمانية"، اختار جون هوليواك أن يكون نائب الرئيس، وعيّن "برادلو" رئيسًا بدلًا منه، لأنه متحدث لبق وأكثر فصاحة. وعملا سويًّا من أجل نشر العلمانية وقاما بحملات كثيرة كانت تُعنى بالحريات المختلفة، كحرية التعبير والصحافة، واهتم بإعطاء الحقوق لأصحابها، حيث دافع عن حقوق المرأة و نادى بتحرير القوميات المضطهدة، وفي عام 1899، ترأس جون هوليواك الاجتماع الافتتاحي لجمعية "الصحافة العقلانية" التي استمرت في نشر العديد من الكتب، وكان هدفها الأساسي تقويض الخرافات الدينية والمساعدة في انتشار المبادئ العقلانية.[٤]


قد يُهِمُّكَ: مفاهيم خاطئة مرتبطة بالعلمانية

بالحديث عن العلمانية، هناك بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالعلمانية والتي قد يهمك معرفتها، وهي:[٥]

  • العلمانيّة لا تعني الإلحاد: الإلحاد هو عدم الإيمان بمُوجد أو إله للكون، أمّا العلمانيّة فهي ببساطة فصل الدين عن الدّولة، هذا يعني أنّ العلمانيّ قد يكون مؤمنًا أو مُلحدًا. أمّا عن سبب اختلاط مفهوميّ الإلحاد والعلمانيّة وربطهما ببعضهما من قبل الكثيرين، فيعود لكون أغلب الذين يَدْعون إلى العلمانيّة مُلحدون.
  • العلمانيّة ليست مرادفًا للإنسانيّة: الإنسانيّة بالإنجليزية : "humanism " وهي فلسفة أخلاقيّة تصف كيف يمكننا العيش والتعايش مع بعضنا البعض على اختلافاتنا بدون دين، ويُمكن أن يكون الشخص إنسانيّاً، ومُلحداً، وعلمانيّاً في الوقت ذاته إن أراد ذلك، ولكن هذه المفاهيم الثلاثة ليست مترادفة ولا يرتبط أي مفهوم منها بالآخر.


المراجع

  1. Kenneth Minogue , "Liberalism", britannica, Retrieved 2020-10-08. Edited.
  2. ^ أ ب Andrew Copson (2018-06-30), "Secularism, Past and Future", origins.osu, Retrieved 2020-10-08. Edited.
  3. "John Locke", history, 2019-09-19, Retrieved 2020-10-08. Edited.
  4. "George Holyoake", humanism, Retrieved 2020-10-08. Edited.
  5. Gerard Phillips , Introduction to Secularism, Page 13-16-26-27. Edited.