حكم صبغ الشعر بالسواد

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٢٧ ، ٢٠ ديسمبر ٢٠١٨
حكم صبغ الشعر بالسواد

حكم صبغ الشعر بالسواد

حُكم الصّبغ بالسواد؛ مسألةٌ مُختلَف فيها، إذ إنَّ الفقهاءَ لم يستطيعوا الاتفاقَ في الحكم على مشروعيّة الصّبغ بالسّواد الخالص، سواءً كان للرّجل أو المرأة، فقد ذهبَ بعضهم إلى تحريم ذلك، بينما ذهب البعض الآخر إلى كراهيته، مستندين على أدلّةٍ واحدة، لكن اختلافهم كان دلالة على النّهي، وتأويل المُخالف له، ذلك أنَّ أقلَّ ‏أحواله الكراهة، لكن النّووي قد جزم بتحريمه، فقال: (والصحيح بل والصواب أنّه حرام)، ويُمكن تقييم المسألة استنادًا على مقامين مختلفين.


جواز صبغ الشعر بالسواد

وهو المقام الأول لحكم الصّبغ بالسواد، فهو مقام اتفاق؛ وفيه مسألتان أيضًا:

  • المسألة الأولى: وهي استعمال الصّبغ بالسواد في حالة الحرب والجهاد؛ وفي هذه المسألة اتُّفِق على جواز الصّبغ بالسواد، وهذا رأي الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه الفتح الباري، فقد أشار إلى استثناء المجاهد، وكذلك أيده القسطلاني رحمه الله في كتاب إرشاد الباري، وابن علان في دليل الفالحين.
  • المسألة الثانية: وهي استعمال الصّبغ بالسّواد بغرض التّلبيس والخداع، كأَن تقومَ امرأةٌ عند الخِطْبة بهذا الأمر؛ وفي هذه المسألة اتفاق على المنع والذّم، فقد قال المباركفوري رحمه الله في تحفة الأحوذي: (وهو- أي: الخضب بالسّواد لغرض التّلبيس والخداع - حرام بالاتفاق).


كراهة صبغ الشعر بالسواد

وهو المقامُ الثاني لحكم صبغ الشّعر بالسّواد: فهو مقامُ اختلاف؛ وفيه أكثرُ من مسألة:

  • الكراهة: وقد اجتمع على الكراهة كلٌّ من مذهب المالكية ومذهب الحنابلة، كما أنَّ جماعةَ من مذهبي الحنفية والشّافعية اعتمدوا نفس الرّأي في هذه المسألة، وهذا ما أُشير إليه في كتاب أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك الكشناوي رحمه الله، و كتاب حاشية العدوي، وكتاب مطالب أولي النهى، للرحيباني رحمه الله، وكتاب الإقناع لطالب الانتفاع للحجاوي رحمه الله كقوله: (ويكره بسواد، فإن حصل به تدليس في بيع أو نكاح: حَرُم).
  • التحريم: وقد اتفق مذهب الشّافعية على تحريم الصّبغ بالسّواد؛ كما أشار النووي رحمه الله على اتفاقهم على ذمِّ كلّ من خضاب الرّأس واللحية باللون الأسود، وكذلك الحاوي في باب الصّلاة بالنّجاسة؛ إذ إنّه من المُحبب صبغ الشّيب للرّجل والمرأة باللون الأصفر أو الأحمر، وأكّد على حرمة الصّبغ بالسّواد، كما ورد عن الشافعية قولان، الكراهية والتّحريم، لكن قال السفاريني رحمه الله عن الشافعية في (شرح ثلاثيات المسند): "ومُعْتَمد مذهبهم الآن : الحرمة، وهذا ما قاله ابن مفلح رحمه الله في (الآداب الشرعية): "وعند الشّافعية يستحبُّ خضاب الشّيب للرّجل والمرأة بصفرة أو حمرة، ويحرم بالسّواد على الأصح عندهم".

ومن الأدلة على تحريم هذه المسألة؛ ما ورد من حديث جابر رضي الله عنه ، أنّه قد أتى إلى أبي قحافة والدُ أبي بكر الصديق رضي الله عنهما في يوم فتح مكة، وكانت رأسه ولحيته كلاهما بيضاء اللون، كنبات الثغامة، فأشار الرّسول صلى الله عليه وسلم عليه بتغيير البياض، مع اجتناب التغيير إلى اللون الأسود، كذلك ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحدّد عن قوم في آخر الزّمان يصبغون باللون الأسود كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة.

  • الجواز: وهو حُكم الحنفيـة، لما جاء في (حاشية ابن عابدين): "وبعضهم جوَّزه بلا كراهة يعني: - الخضاب بالسّواد - رُوي عن أبي يوسف أنّه قال: (كما يعجبني أن تتزين لي، يعجبها أن أتزيَّن لها)"، وقال في: (الحاشية) أيضًا: "والأصح أنّه لا بأس به في الحرب وغيره".

وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في: (فتح الباري): "ومنهم- أي: العلماء- من فَرَّق ذلك بين الرّجل والمرأة، فأجازه لها دون الرجل. واختاره الحليمي". يميلُ حكم الجواز مع الكراهة دون تحريم بين الجمهور إلى أنّه الحكم الأصح والأَقْوى في المسألة؛ فقد قال علي القاري رحمه الله في (جَمْع الوسائل في شرح الشمائل): "ذهب أكثر العلماء إلى كراهة الخضاب بالسّواد "، ليحكيَ مثله في (مرقاة المفاتيح)، هذا وقد جعله ابن عبد البر، رحمه الله: قولَ أهل العلم؛ حيث قال في (الاستذكار): "وأما قول مالك في الصّبغ بالسواد: (إنَّ غيره من الصّبغ أحب إليه) فهو كذلك؛ لأنّه قد كَرِه الصّبغَ بالسواد أهلُ العلم"، وهذا ما جزم عليه الموفق ابن قدامة رحمه الله في (المغني)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (شرح العمدة)، وابن قيم الجوزية رحمه الله في (تهذيب السنن).