الشاعر حطيئة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٤٠ ، ١٨ أغسطس ٢٠١٩

الحطيئة

الحطيئة هو أبو مُلَيْكة جرول بن أوس بن مالك العبسي عاش ما بين (600-678 م)، شاعرٌمخضرمٌ أدرك الجاهلية وأسلم في زمن أبي بكر، ولد في بني عبس دعِيًّا لا يُعرفُ له نسب، فأصبح شابًا مظلومًا محرومًا لا يجد مددًا من أهله ولا سندًا من قومه فاضطر إلى قرض الشعر ليجلب به قوت نفسه، ويدفع به العدوان من حوله، وينقم به لنفسه من بيئةٍ ظلمته، ولعل هذا هوالسبب الذي جعله يشتد في هجاء الناس، ولم يسلم أحدٌ من لسانه فقد هجا أبيه وأمّه حتى أنّه هجا نفسه.[١]


الحطيئة يشتم نفسه

كان شعر الهجاء منتشرًا في الجاهلية يتخذه الشاعرغرضًا للدفاع عن نفسه وعن قومه، كما يتخذه هدفًا من أجل الكسب وتحصيل الأموال، ورغم ضمور شعر الهجاء مع ظهور الإسلام واقتصاره على الرد والدفاع عن الإسلام ونبيه ضد شعراء الكفر والضلال إلا أن بعض الشعراء تمسكوا بهذا الشعر، ولم يستمعوا إلا تنبيه وتحذير الإسلام لهم بعدم الخوض في أعراض الناس، ومن هؤلاء الشعراء الحُطَيئَة المتوفى عام 45 هـ. وقد كان الحطيئة سطحي العقيدة فاسد الدين، وكان قد أسلم من قبل ثم ارتد عن الإسلام، ولعل اتهام الحطيئة برقة دينه هو دفاعه عن الوليد بن عقبة الذي اتهموه بشرب الخمرة والعبث في الصلاة، ولقد اشتهر الحطيئة من بين شعراء عصره بالشتم والهجاء، وكأن طبيعة الانحراف فيه لم يغير الإسلام منها شيئًا، بل بقي على حاله، وقد سبب لسانه السليط له المتاعب الكثيرة، مما يروى أن الزبرقان بن بدر بن امرؤ القيس عندما سار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصدقات قومه، لقيه الحطيئة ومعه أولاده وأهله يريد العراق فرارًا من الجدب والسنة وطلبًا للعيش، فأمره الزبرقان أن يقصد أهله وأعطاه أمارة حتى يكون بها ضيفًا له إلى أن يلحق به، ففعل الحطيئة وأكرمه أهل الزبرقان غاية الإكرام، لكنه لم يحفظ الجميل بل رده بالهجاء عليه فقال:

مـا كان ذنب بغيض أن رأى رجلًا

ذا حاجةٍ عاش في مستوعرٍ شاسِ

جـارًا لـقومٍ أطالوا هون منزله

وغـادروه مـقيمًا بـين أرماسِ

مـلَّـوا قِـراهُ وهـرَّته كـلابهُمُ

وجـرحـوه بـأنيابٍ وأضـراسِ

دع الـمكارم لا تـرحل لـبغيتها

وأقـعد فـأنت الـطاعم الكاسي

فشكا الزبرقان الحطيئة إلى عمر، فسأل عمر حسان بن ثابت عن قوله أنه قد هجو، وقال حسان : ما هجاه يا أمير المؤمنين، قال: فماذا صنع به ؟ قال حسان: سلح عليه، فقال عمر: علي بجرول، فلما أُتي به قال له: يا عدو نفسه تهجو المسلمين فأمر بحبسه، فحبسه عمر في مطمورة، وأرسل له معتذرًا ومستعطفًا:

مَاذَا تَقُولُ لأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَحٍ

زُغْبِ الْحَوَاصِلِ لا مَاءٌ وَلا شَجَرُ

أَلْقَيْت كَاسِيَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ

فَاغْفِرْ عَلَيْهِ سَلامُ اللَّهِ يَا عُمَرُ

عندئذ كَلَّمَهُ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه وَاسْتَرْضَاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ السِّجْنِ، فدَعَاهُ فَهَدَّدَهُ بِقَطْعِ لِسَانِهِ إنْ عَادَ يَهْجُو أَحَدًا. وقد هجا أقرب الناس إليه فهجا زوجته فَقَالَ :

أطوّف ما أطوّفُ ثم آوي

إلى بيتٍ قَعيدته لَكاعِ

ثم هجا أبيه وعمه وخاله وقال :

لـحـاك الله ثــم لـحــاك حـقـا

أبـا ولحــاك مـن عـم وخــال

فنعم الشيخ أنت لدى المخازي

وبئس الشيخ أنت لدى المعالي

وهجا أمه أيضًا بقوله :

تَنَحِّي فَاجْلِسِي عَنِّي بَعِيدًا

أَرَاحَ اللَّهُ مِنْك الْعَالَمِينَا

ويروى عنه أنه رغب في قول الهجاء فلم يجد أحدًا من يطلق عليه سهام هجائه وشتمه فضاق ذرعًا، فلم يجد إلا نفسه يشتمها ويهجوها وفقال:

أَبَتْ شَفَتَايَ الْيَوْمَ إلا تَكَلُّمًا

بِسُوءٍ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهُ ؟

أَرَى لِي وَجْهًا قَبَّحَ اللَّهُ خَلْقَهُ

فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهُ[٢]


بواعث الهجاء عند الحطيئة

نشأ الحطيئة في محيط لم يساعده نفسيًا وإنسانيًا واجتماعيًا على تحقيق ذاته واستكمال إنسانيته، إضافةً إلى ذلك ما منحه إياه القدر من دمامة في المنظر، وصعوبة في العيش ومسغبة في الحياة، وشدة تقلب الناس عليه وسرعة تغيير اتجاهاتهم ومنازعهم، وهذه العوامل كانت كفيلة بجعل الحطيئة أنموذجًا صارخًا للسخط على الحياة وعلى الناس والزمان، والانتقام ولو بوسيلة الهجاء من كلّ ما يعترض طريقه أو يحول بينه وبين تحقيق أهدافه.[٣]


المراجع

  1. "الحطيئة"، معرفة، اطّلع عليه بتاريخ 9/7/2019. بتصرّف.
  2. "شاعر يشتم نفسه"، صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 9/7/2019. بتصرّف.
  3. إبراهيم نويري (23/08/2008)، "الحـطيئـة .. وجه مختلف / من ديوان العرب"، النور، اطّلع عليه بتاريخ 9/7/2019. بتصرّف.