التربية في العصور القديمة

التربية في العصور القديمة

بدأت التربية بسيطة وبدائية في المجتمعات البشرية القديمة سواء في وسائلها أو أهدافها، فكان الغرض الأول للتربية هو المحافظة على الحياة والخبرات والتقاليد السائدة في هذه المجتمعات، مثل؛ تربية الفرد على الحصول على أهم ضروريات الحياة من مأكل ومأوى وملبس، وتربيته على مجموعة من التقاليد والموروثات الدينية اللازمة كي يحيا منسجمًا متوافقًا بين أفراد مجتمعه، ومع تكاثر الجنس البشري وزيادة حاجاته اليومية، وتعقيد شؤونه الحياتية ظهرت في العصور القديمة وحضاراتها أساليب تربوية مختلفة ومتباينة وفق المجتمعات البشرية السائدة فيها، ومن أهم الحضارات البشرية القديمة ما يأتي[١]:

  • التربية في الحضارة الصينية: التربية في الحضارة الصينية القديمة هي نموذج واضح للتربية الشرقية، تكمن الغاية منها بتعريف الفرد بواجباته بهدف حفظ حياته وما يتعلق بها من عادات وتقاليد والسير وفق هذه التقاليد من خلال المحاكاة والتكرار، فتميزت التربية الصينية بعدة خصائص منها الخصائص الآتية:
    • تتسم بروح المحافظة.
    • تبني في أفرادها عادات فكرية وعملية سابقة.
    • لا تحدث أي تغيير في عاداتها بما يتوافق مع الظروف المستجدة.
    • تتصف بكونها حياة رتيبة جامدة غير متجددة، فهي مقيدة بتقاليد وموروثات قديمة.
  • التربية عند اليونان والرومان: تميز الفكر التربوي الغربي بتجدده وقدرته على الابتكار واستيعاب كلّ ما هو جديد، وفتح مجال واسع أمام الحرية الفردية، وكان هدف التربية الغربية هو أن يصل الفرد إلى أقصى درجات سعادته ويحقق كماله الجسمي والعقلي، إذ إن الإغريق هم أول من أخذ التربية من اتجاهات فلسفية، وحظيت التربية باهتمام أكبر الفلاسفة في أثينا، وبالمقابل فإن التربية عند الرومان تأثرت كثيرًا بالدين، فكانت تربية مادية علمية نفعية الغاية منها خلق فرد بمهارات عسكرية وقتالية وقدرة على آداء الشؤون الحياتية العلمية.
  • التربية عند العرب القداماء: العرب أيام الجاهلية الأولى هم فئتان من بدو وحضر، وكان للعائلة الدور الأهم في التربية وخاصة عند البدو، فكانت تهدف لتعليم الفرد أهم أسس ومقومات حياته الضرورية؛ كالصيد والرماية وإعداد الآلات الحربية وتعلم فنون القتال لحماية أنفسهم من الأعداء، أما الوسيلة التربوية المتبعة لتعلم هذا كله هي المحاكاة والتقليد، وطريقة النصح والإرشاد من كبار السن وأصحاب الخبرات وشيوخ القبائل.
  • التربية في حضارة بلاد الرافدين: حضارة وادي الرافدين حضارة عريقة ممتدة عبر التاريخ، إذ لعب العراق الدور الأكبر في نشر حضارته وثقافته خارج نطاق حدوده الجغرافية، فكانت فيها المراكز الحضارية في منطقة سومر التي احتفظت بازدهار ثقافتها عبر أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وقد وجدت بعض النصوص التي تعود للألف الثالث قبل الميلاد تدل على وجود مدارس في مناطق وادي الرافدين، وظهرت بعض المدارس لنسخ الكتب وتعليم الصغار في عهد حمورابي، إضافة إلى أن أول مدرسة تأسست في العالم كانت في بلاد الرافدين إلى أن بات التعليم عملية نظامية مستمرة في البلاد، وأظهرت بعض الاكتشافات الكثير من الألواح المدرسية التي كتب عليها بعض المواد المتعلقة بالإدارة والاقتصاد، فبرع العلماء العراقيون القدماء في علم الرياضيات والجغرافيا والحيوان والنبات واللاهوت والتعدين وعلوم اللغة والآداب، والعديد من المكتبات المنتشرة في كلّ المدن لبلاد ما بين النهرين ومدرسة للنسخ ملحقة بكلّ مكتبة[٢].
  • المصريون القدماء: يعود تاريخ الحضارة المصرية إلى حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وفي عهد الملك المصري رمسيس بلغت مصر بحضارتها الفرعونية القمة في التقدم والحضارة والازدهار، فدبت الحياة على جانبي نهر النيل مما دفع المصريين لتعلم طرق الزراعة وأساليب الري، ومع نشوء خلافات حول امتلاك الحقول الزراعية والتناحر عليها دفع ولاة الأمر لوضع قوانين تنظم الملكيات والعمل في هذه الحقول، عدا عن حاجتهم لمعرفة مواسم الزراعة والحصاد التي دفعتهم للاهتمام بعلوم النجوم والأفلاك الأمر الذي ساعدهم في وضع التقويم الخاص بهم، ومن ناحية ثانية فإن البلاد أصبحت محطّ أطماع للكثيرين من البرابرة وغيرهم من الطامعين في خيرات هذه الحضارة؛ كلّ هذا وأكثر دفع المصريين للتعلم والتوجه نحو التأهيل التربوي لحماية حضاراتهم وحفظ بقائها، فبنوا المدارس والمراكز التربوية لإعداد الجنود، وإضافة إلى مدارس دينية تضم ثلاث مراحل تربوية هي: المرحلة الابتدائية، المرحلة المتوسطة، ومرحلة الدراسات العليا[٣]، ومن الجدير بالذكر أن المصريين القدماء كانوا يؤمنون بالبعث بعد الموت، وأن هناك حياة ثانية، وأن الروح لا تموت، ويؤمنون بالثواب والعقاب في الدار الآخرة؛ وعليه فقد برعوا في التحنيط، وبنوا الأهرام، لتكون مقابر ليحفظوا فيها جثث ملوكهم[١].


مفهوم التربية

عُرفت التربية منذ أن وجد الإنسان على هذه البسيطة باختلاف كبير في أساليبها ومدى معرفة الإنسان بها عبر العصور وتتابع الأجيال، فبدأت التربية مع الإنسان بأبسط صورة، فكان يتفاعل مع بيئته المحيطة به ويحاكي نظامها البيئي ليضمن بقاءه واستمراره، فكانت الصورة الأوضح للتربية آنذاك تظهر مباشرة في تقليد الابن لأبيه في أفعاله وحركاته، وكذلك تقليد الفتاة لأمها في أعمالها ولباسها وكافة تصرفاتها، فظهرت علاقات اجتماعية بسيطة ومباشرة بين الناس، فبينما الإنسان هو الكائن الوحيد المفكر والقادر على التعلم والتطور والتجدد كان دائم البحث عن حياة أفضل وسبل عيش رغيد قدر الإمكان وبكل السبل المتاحة لديه، وهذه باختصار أساس نشأة التربية في المجتمعات الإنسانية منذ القدم[٤].

تعددت مفاهيم التربية كونها كلمة ذات مدلولات واسعة، إلا أن تعريفاتها المتعددة تكمل بعضها البعض لتغطي كافة جوانب التربية، وللتربية معنى لغوي وآخر اصطلاحي هما كالآتي[٤]:

  • التربية في اللغة: تأتي كلمة التربية من ثلاثة أصول لغوية هي: ربا، يربو التي تعني الزيادة والنمو، ومن الأصل ربا يربي أي نشأ وترعرع، أما الأصل الثالث فهو ربٍّ، يربُّ أي الإصلاح والتهذيب وتولي الأمر، وعليه فإن مفهوم التربية في اللغة يضم المعاني الآتية: الزيادة، والنمو والنشأة، والترعرع، والتهذيب، وقد أوضح الإمام البيضاوي رحمه الله أن الرب في الأصل تعني التربية وهي تبليغ الشيء كي يبلغ تمامه وكماله شيئًا فشيئًا، ويمكن استنباط نتائج أساسية لمفهوم التربية اللغوي؛ منها أن التربية عملية لها هدف وغاية محددة، وأن التربية تتطلب وضع خطط متدرجة ومنتظمة لبلوغ الإنسان الهدف والغاية منها وفق أطوار حياته المختلفة.
  • التربية في الاصطلاح: تتعدد التعريفات الاصطلاحية للتربية وفق المنطلقات الفلسفية التي تحكم المجتمعات، إذ إن لكلّ مجتمع فلسفته الخاصة التي تنبع من ثقافته وعاداته واتجاهاته، ومن أبرز التعريفات الاصطلاحية للتربية التعريفات التالية: عرفها عالم النفس هنري جولي على أنها مجموعة الجهود المبذولة بهدف تمكين الفرد من امتلاكه الكامل لمختلف ملكاته وقدراته وحسن استخدامها، وفي المنظور الإسلامي فالتربية تعني منظومة متكاملة ومترابطة من القيم والمفاهيم التي تندرج تحت إطار فكري يخضع للشرع الإسلامي الحكيم حول الكون والإنسان، وعليه فإنه من الممكن استخلاص تعريف للتربية على أنها عملية تشكيل وإعداد للفرد والرقي به نحو إنسانيته في مجتمع ما؛ لأن التربية هي الطريقة الأهم في نقل الفرد من كونه فرد بيولوجي في المجتمع إلى إنسان يشعر بالانتماء والولاء لمجتمعه الذي يحكمه مجموعة قيم ومبادئ وأهداف ومصير مشترك، فتوجه التربية طاقات أفراد المجتمع نحو النمو وتحقيق الغايات والأهداف المرجوة منها بكافة الطرائق والسبل من خلال عدة مؤسسات مجتمعية مثل الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية الأخرى.


التربية ونظرياتها في العصر الحديث

انتشرت أغلب النظريات التربوية في العصر الحديث بالولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ ظهر فيها العديد من العلماء الذين طوروا نماذج في مجال التربية، أهمهم إبراهام ماسلو، وهارمان، وهي في حقيقتها تصب في تيار روحاني تربوي، واليوم تحتل التربية مكانًا هامًا أكثر من أي عهد أو عصر مر به الفكر التربوي؛ وذلك لتعقيد حياة البشر وتداخل الأفكار والمعطيات التي تجري من حولهم، وأهم ما يميز التربية المعاصرة وتطورها أنها ركّزت على الفرد أو الإنسان المتعلم، وأصبح هو محور العملية التربوية، ولم تحتل التربية مكانة في أي عهد من العهود كما تحتله اليوم، وإن الاهتمام بالتربية والعملية التربوية قد زاد في العصر الحاضر، ونتيجة لذلك فقد تميزت التربية في العصر الحديث عن غيرها بأنها متقدمة على التعليم.[٥]


أهمية دراسة التاريخ التربوي

تأتي أهمية دراسة التاريخ التربوي في إلقاء الضوء على العديد من التجارب الإنسانية وخبراتها عبر العصور والأزمنة السابقة، ويكشف لنا أهداف الشعوب السابقة ومثلها العليا وآمالها، ويوضح لنا اختلاف الممارسات التربوية بحسب اختلاف اتجاهاتها وفلسفته، إذ إن دراسة البعد التاريخي للتربية يتمثل في أهميّة المعرفة للمستقبل، ولا شك أن الخبرات تزداد وتتطور تطورًا كبيرًا من خلال الممارسات التربوية، وتكشف العلاقة بينه وبين الجوانب الأخرى في تاريخ الحضارات؛ كالجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأيضًا إبراز الاتجاهات التربوية ضمن إطارها الثقافي وزيادة وعينا وبصيرتنا بهذه الاتجاهات فكرًا وتطبيقًا، مما يساعدنا على تفسيرها وفهمها فهما سليمًا.[٦]

وتعد دراسة تاريخ التربية هي الطريق والوسيلة المثلى لكي نفهم في العصر الوقت الحاليين بصورة عميقة وواضحة؛ وذلك لأن دراسة تاريخ التربية في واقع الأمر هو عبارة عن دراسة لتاريخ الحضارة ككل، إذ إن النظم التربوية لأي مجتمع كان هو الشاهد الوحيد على مدى ما وصل إليه من الحضارة والتقدم، لذلك نؤكد دائمًا ونعترف أنه لا أمل ولا مستقبل في أمة قطعت صلتها بجذورها؛ وذلك لأن النمو والارتفاع إلى أعلى يتطلب دائما أن تكون الأصول ثابتة وراسية من تحتها، والتطور الطبي الذي يتجه بدوره إلى الاتجاه الإنساني الحقيقي الذي ينشأ من سلالة متصلة بالماضي وينفتح على الحاضر، ويسعى دائمًا إلى التطور في المستقبل .[٧]


المراجع

  1. ^ أ ب عبدالله عثمانية (27-4-2013)، "تطور الفكر التربوي عبر العصور: مذهب التربية البدائية"، abdellahotmania، اطّلع عليه بتاريخ 18-8-2019. بتصرّف.
  2. هاشم العوادي (15-5-2013)، "التربية في العصور القديمة"، uobabylon، اطّلع عليه بتاريخ 18-8-2019. بتصرّف.
  3. محمد رشو (19-5-2013)، "التربية عند الحضارات في العصور القديمة"، الحوار المتمدن، اطّلع عليه بتاريخ 18-8-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب وفية الياسري (19-12-2015)، "التربية – مفهومها - دلالاتها - وظائفها "، humanities، اطّلع عليه بتاريخ 18-8-2019. بتصرّف.
  5. "التربية المعاصرة"، atfalalmostkbl، اطّلع عليه بتاريخ 12-8-2019. بتصرّف.
  6. "تاريخ تربيه"، يلا ننجح في الدبلومة، اطّلع عليه بتاريخ 20-7-2019. بتصرّف.
  7. "مدخل إلى دراسة تاريخ التربية الإسلامية"، dkwoodda، اطّلع عليه بتاريخ 20-7-2019. بتصرّف.

فيديو ذو صلة :

1225 مشاهدة