أثر العدل على الفرد والمجتمع

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٥٨ ، ٣٠ مايو ٢٠١٩

العدل والمساواة

إن من أهم الأسس لقيام المجتمعات المتماسكة المترابطة هو العدل، فيساوي العدل بين الخلائق فيما وجبت المساواة بينهم، ويفرق في المساواة ما بين الخلائق فيما وجب أن يطغى أحدها على الآخر، وهو كل ما فرضت لزومه الشريعة، من أسس وقوانين وأحكام وحدود، وهو نقيض الظلم اللذين لا يستويان معًا في قلب فرد واحد، وقد برز الإنصاف في أسس العدل، وإعطاء كل ذي حق حقه، فالعدل مطلوب في كل مجتمع وفي كل زمان ومكان، ووجوب قيامه أمرٌ مطلقٌ لا مجال فيه للجدل، ولا يحدد فيه عدلٌ دون عدلٌ، فالتزام قيم العدل وتوجيهاته تؤخذ جملةً واحدةً كاملةً دون تجزيء[١].


آثار العدل على الفرد والمجتمع

الفرد والمجتمع هما وجهان لعملة واحدة، كلاهما مرتبط بالآخر بشكل متشابك معقد، فانحطاط أحدهما يعني بانجرار الآخر خلفه، فسُنَّت القوانين والتشريعات الوضعية منها والدينية للإبقاء على هذا التماسك شامخًا وقويًا، وتلافي أي سقوط لهذين الوجهين اللذان يشكلان الصور التي نُحِتت على أساسها الإنسانية، ومن هنا جاء العدل ليكون المقوم الأول لربط المجتمع بالفرد والفرد بالمجتمع، فحافظ على تماسكهما معًا، ومن صور آثار العدل على الفرد والمجتمع[٢]:

  • الشعور بالراحة النفسية لدى الفرد، فالعدل يدفع بالظلم خارج دائرة علاقة الفرد بالمجتمع، ودون وجود الظلم تصبح الحياة ذات طابع أسهل وأيسر.
  • العدل يولد حب الوطن ويدفع بالأفراد لزيادة إنتاجياتهم، ويدفعهم للاستقامة على الأحكام والقوانين المجتمعية والقيم الاجتماعية المثلى.
  • العدل يولد الأمن ويجلب مصادر الطمأنينة للمجتمع بأكمله، فالإنسان كائن عنيد عندما تُمسُّ حقوقه بسوء، فيسعى كل السعي لصون حرماته، والمحافظة على حرياته.
  • قوة المجتمع وحصانته تتولد من مدى تمكنه من سياسات رد الحقوق والحرمات بالعدل، وبالمقابل المجتمع الذي يسوده الاستبداد هو مجتمع ضعيف من الداخل لا يصمد أمام النوائب والنوازل.


الفرق بين العدل والمساواة

برزت في الآونة الأخيرة من هذا العصر تيارات ومنظمات تنادي بالمساواة في الحقوق والواجبات وتدعو إلى الحريات المطلقة، هذه الدعوات التي تناقض وبشكل صريح الفطرة التي خلق الله الناس عليها، فقد خلق الله البشر وقسم عليهم من نعمه الكثيرة، وقد ظهر تباين واضح ما بين قدرات الذكور عن الإناث والإناث عن الذكور، ما نتج عنه تاليًا تباين واضح بين واجباتهم، وتباين واضح بين حقوقهم، أما في نصوص الشريعة الإسلامية، فقد بين الإسلام الفرق بين العدل والمساواة من خلال أربعة محاور[٣]:

  • إن رغبة الإسلام في إحلال العدل في المجتمع رغبة مطلقة ولا مكان لرؤية أخرى تناقضها، على العكس من المساواة التي نفاها الإسلام في بعض المواضع كالمساواة بين الحي والميت.
  • يندرج تحت مفهوم العدل والتسوية والتفريق معًا، فأمر الإسلام بالعدل بين الأولاد في العطايا والزوجات في المبيت والنفقات، والتفريق في تقسيم الميراث بين الإناث والذكور، كون النفقات الشهرية للأسرة يتحملها الرجل كذلك فهو مكلف عند الزواج بتقديم المهر لزوجته، وعلى العكس تمامًا من المساواة التي تشتمل فقط على التسوية.
  • استخدم الإسلام مفهوم العدل لشموليته عن مفهوم المساواة المحدد، لما في ذلك من صيانة للشريعة والتشريع بحيث لا يحصل أي التباس.
  • يُعد تحقيق المساواة بين الناس أمرًا مستحيل الحدوث قطعيًا عقلًا وعملًا، فالناس يتفاوتون في رواتبهم التي يتقاضونها وهم يعملون في نفس المؤسسة، بالرغم من أنهم يعيشون الأحوال الاجتماعية نفسها ويتعرضون للمشاكل نفسها، ويتساوون في متطلبات الحياة؛ من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، ومع ذلك لا يمكن المساواة بينهم بحكم الأقدمية والخبرات وغير ذلك.


أشكال المساواة في الإسلام

في طيات صحف الشريعة الاسلامية بعض مظاهر المساواة، التي بدأ دعاة المساواة والحريات باستغلالها لنشر مبادئهم الهابطة، إذ أصبح الاستدلال بها للتأكيد على وجوب المساواة المطلقة، وأخذ البعض يشكك في تناقض مبادئ الشريعة الإسلامية مع نفسها، وكلا الأمرين هنا باطل، وسنذكر بعض مظاهر المساواة التي جاء بها الإسلام للدلالة على العدل بمفهومه الصحيح في الإسلام، من هذه المظاهر ما يأتي[٣]:

  • المساواة في أصل الخلق: يقصد بها هنا أن الله قد خلق الناس من أصل خلق واحد وهو الطين، وكل الناس أبناء لآدم الذي خلق من الصلصال وحواء التي خلقت من ضلع آدم، فلا فرق بينهم في اللون أو الشكل أو الجنس أو الأصل.
  • المساواة في توجيه الخطاب: إن المخاطبة الشرعية في الإسلام جاءت للناس أجمعين؛ العرب والعجم وغيرهم دون تمييز؛ لأن الله أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم للناس كافةً، فلا يجوز أن يقال إن دعوة الإسلام خاصة بجنس دون الآخر، ولا لجهة دون جهة.
  • المساواة في الحكم بين الناس: في الحكم بين الناس لا يجوز التفريق بين الخصمين لأي سبب من الأسباب، فلا يجوز أخذ حقوق الناس على أساس العداوة والبغضاء؛ لأن الإسلام دين العدل.
  • المساواة في بعض الأحكام الشرعية: فالشريعة الإسلامية ساوت بين الناس في بعض الأحكام الشرعية التي اقتضى العدل التسوية فيها؛ كالتسوية بين الزوجات في النفقة والمبيت، وغير ذلك من الأحكام.


العدل طريق نهوض الأمم

يستوجب لنهوض أية أمة وصعودها نحو العظمة والقوة البدء بتأسيس مجتمع سليم متماسك، وغرس القيم والمبادئ الفضلى في نفوس أفراده، فالبنية الأساسية للمجتمع هم الأفراد الذين يشكلونه معًا، وإحلال العدل وجعله المظهر الأول للمجتمع يفجر الطاقات الكامنة داخل الأفراد، فيدفعهم هذا لتقديم الغالي والنفيس لوطنهم وأمتهم، لتحقيق سموها ورفعتها بين الأمم الأخرى[٣].


المراجع

  1. "العدل وأثره في صلاح الفرد والمجتمع للدكتور خالد بدير"، الارشادات الاسلامية، اطّلع عليه بتاريخ 28-4-2019.
  2. "اثر العدل في تنمية المجتمع"، ارتقاء، اطّلع عليه بتاريخ 28-4-2019.
  3. ^ أ ب ت "العدل فضله واهميتة"، الالوكة الشرعية، اطّلع عليه بتاريخ 28-4-2019.