وقفات مع سورة الحجرات

وقفات مع سورة الحجرات
وقفات مع سورة الحجرات

سورة الحجرات

سورة الحجرات هي سورة عظيمة وجليلة تضمّنت الكثير من المبادئ والأخلاق والحقائق العقائديّة، وسورة الحُجرات هي وِحدة كاملة متكاملة موضوعاتها الأساسيّة الحقائق الاعتقاديّة، وتوجيهات أخلاقيّة للمسلمين، وسورة الحُجرات التي لا يتجاوز عدد آياتها الثماني عشرة آية هي سورة ضخمة ومليئة بالحقائق المهمّة التي تتعلّق بالعقيدة والشريعة وحقائق الوجود والإنسانيّة، والحقائق التي تضمّنتها هذه السورة تفتح للقلب والعقل آفاقًا للتفكير والتأمل، وتثير في نفسك وذهنك الخواطر العميقة والمعاني الكبيرة.

تشتمل السورة على مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية، ومبادئ التشريع والتوجيه، وعدد كبير من المبادئ التي لا تُحصَى مما يجعلها من السور التي يتجاوز حجمها عدد آياتها بمئات المرات لكثرة ما حوته من حقائق وتشريعات، إذ تضع السورة المعالم الكاملة لعالم رفيع وسليم من الفتن لما تضمّنته من القواعد والمبادئ التي يقوم عليها هذا العالم والتي تكفل صيانته وقيامه، والعالم الذي تطمح إلى تكوينه هذه السورة هو عالم له أدب مع الله تعالى ومع رسوله، ومع نفسه، وهو عالم يستند على منهج ثابت من الأقوال والأفعال قبل الحكم على الأمور، ومنهجه الذي يستند عليه هو تقوى الله تعالى، والرجوع إلى سنة رسوله الكريم، والسورة بعد رسمها لمعالم هذا العالم الكريم الرفيع النظيف تحدد معالم الإيمان الذي دُعِي المسلمون لبنائه، وفي نهاية السورة يمكن الكشف عن مدى عِظم الهِبة الإلهية للبشر وهي هبة الإيمان، التي يهبها الله لمن يشاء من عباده، ويمنعها عمّن يشاء.[١]


تأملات في سورة الحجرات

لقد تضمّنت سورة الحجرات توجيهات عظيمة صالحة لكل زمان ومكان، فهي تدعو إلى الخير والنجاة وأسباب الهداية والسعادة، ومن أهم التوجيهات التي يمكننا الوقوف عليها في هذه السورة:[٢]

  • قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ}[٣]، فالأمر الذي تدعو إليه الآية هو أنه من الواجب على جميع المسلمين أن يكونوا تابعين لحكم الله تعالى ورسوله، ولا يتقدّموا على حكمهما، بل عليهم الانقياد لشرع الله تعالى وتوجيهات رسوله، وأن لا يرفع المسلمين صوتهم فوق صوت الرسول، وأن يغضوا الصوت في حضرته عليه الصلاة والسلام.
  • قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[٤]، وهذه الآية توجّه المسلمين لأمر عظيم وهو التثبت والتيقّن قبل الحكم على الأشخاص، فالشاهد يجب أن يكون ثقة صادق وإلا لا تُقبل له شهادة، ولا تُقبل إلا شهادة الأشخاص العدول الثقات، وليس شهادة مثيري الفتنة بين المسلمين.
  • قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ولَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ولَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ولَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ومَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[٥]، وفي هذه الآية عدد من الأخلاق السيئة التي حذّر منها الله تعالى لما لها من ضرر على الأشخاص وعلى المجتمع بأكمله، وهي شر عظيم وسبب للفساد ونشر العداوة والبغضاء بين المسلمين، ومن هذه الأخلاق الذميمة التي حذرت منها الآية؛ الغيبة، والنميمة، والسخرية من الآخرين، واللمز، فعلى المسلم أن يبتعد عن كل هذه الأمور حتى لا يكون عاصيًا ظالمًا لنفسه خارجًا عن تعاليم دينه.
  • قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ولَا تَجَسَّسُوا ولَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}[٦]، وحذرت الآية من مسألة الظّن وهي الشك بالآخرين لأنه من الأمور التي تسبب العداوة والبغضاء والفتنة، فالأصل اجتناب الظّن وعدم قبول منه إلا ما كانت عليه شواهد ودلائل واضحة، وحذّرت الآية من التجسس أيضًا وهو البحث عن عيوب الناس وتتبّعها، وحذرت أيضًا من الغيبة لأنها فساد كبير وخوض في أعراض الناس.
  • قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}[٧]، وتتحدّث الآية عن أصل البشر وأنهم خلقوا من آدم وحواء، فلماذا التفاخر والتقاطع والتحاسد؟، فالواجب على المسلمين أن يحذروا من البغضاء والعداوة وأن يتراحموا ويتعاونوا على البر والتقوى، فقد خلق الله تعالى البشر للتعارف لا للتكبر والظلم والتفاخر.
  • قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[٨]، تتحدث هذه الآية عن أن مقياس التفاضل بين الأشخاص هو التقوى فقط وليس الجنس ولا اللون ولا الأصل ولا أي شيء آخر.
  • قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[٩]، تتحدّث هذه الآية عن علم الله تعالى بكل الأمور والخفايا، فهو سبحانه يعلم الصالح من الطالح، والخبيث من الطيّب، والمؤمن من الكافر، لا أحد أعلى منه، فالواجب علينا جميعًا أن نتقي الله وننفذ تعاليمه وتوجيهاته التي جاءت لإصلاح البشر والبشريّة ولإقامة العدل والدّين.


دروس مستفادة من سورة الحجرات

يوجد العديد من الدروس المستفادة من سورة الحجرات، تعرف عليها فيما يلي:[١]

  • الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم: فقد وجّهت السورة المسلمين إلى الأدب في التعامل مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الأدب في حضرته، غض الصوت، وعدم التقدّم عليه، وعدم مناداته بغلاظة.
  • التثبّت من خبر الفاسق وبيان آثار الإيمان: فقد وجّهت هذه السورة المسلمين لخلقٌ عظيم، وهو التثبت قبل الحكم على الأمور، فلا بد من وضوح المصدر حتى يأخذ المسلم بما جاء به لتصبح للتوجيهات قيمتها ووزنها، ووجهّت السورة المسلمين إلى كيفيّة تلقّي الأنباء وكيفيّة التصرّف بها، والتثبّت من مصدرها.
  • الدعوة للإصلاح بين المسلمين: وهي قاعدة تشريعيّة مهمة في الدين لصيانة المجتمع من الخصومات والتفكك بسب التهوّر والاندفاع، فعلى المسلمين أن يصلحوا بين بعضهم البعض لأنهم أخوة بعهد الله تعالى.
  • تحريم السخرية والنبز واللمز: فالمجتمع الإسلامي له أخلاق رفيعة، ولكل فرد كرامته المحفوظة التي يجب أن لا تُمَس، وهي من كرامة الجماعة، ولمز أي فرد وذكره بسوء هو لمز للمجتمع بأكمله، لأن المجتمع واحد، وكرامته واحدة.
  • تحريم سوء الظّن والغيبة والتجسس: فهذه السورة تُقيم حدًا فاصلًا في المجتمع، وهو حرمات الأشخاص وكراماتهم وحرياتهم من خلال حرمة التجسس والغيبة والنميمة.
  • بيان حقيقة الإيمان: وقيمته ومنّة الله تعالى على الناس بهذا الدّين الحنيف.


قد يُهِمُّكَ

بعد أن تأملت في آيات سورة الحجرات ومقاصدها، لا بد لك من معرفة بعض المعلومات عنها، وهي كما يلي:[١٠]

  • الغاية منها: الهدف من السورة هو إرشاد المسلمين إلى مكارم الأخلاق، وتوقير النبي والأدب معه.
  • عدد آياتها: سورة الحجرات سورة مدنية وعدد آياتها 18 آية، وعدد كلماتها 343، وعدد حروفها 1474.
  • سبب التسمية: سمّيت سورة الحجرات بهذا الاسم لأنه ورد فيها لفظ الحجرات فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}[١١]، وقد سميت السورة في جميع كتب السنة بالحجرات وليس لها اسم غيره.
  • سبب النزول: أنها نزلت في قصة نداء بني تميم على الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته.


المراجع

  1. ^ أ ب "دروس من سورة الحجرات"، اسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 2020-10-22. بتصرّف.
  2. "تأملات في سورة الحجرات"، الامام ابن باز، اطّلع عليه بتاريخ 2020-10-22. بتصرّف.
  3. سورة الحجرات ، آية:1
  4. سورة الحجرات، آية:6
  5. سورة الحجرات، آية:11
  6. سورة الحجرات، آية:12
  7. سورة الحجرات، آية:13
  8. سورة الحجرات، آية:13
  9. سورة الحجرات، آية:13
  10. "سورة الحجرات"، نداء الايمان، اطّلع عليه بتاريخ 2020-10-22. بتصرّف.
  11. سورة الحجرات، آية:4

437 مشاهدة