مقال عن الغربة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٠٥ ، ٦ فبراير ٢٠١٩
مقال عن الغربة

الغربة

تعرفُ كلمةُ غُرْبة في معاجم اللغة العربيّة؛ بأنّها مصدرٌ مشتقٌ من الفعل الثلاثي غَرَبَ أي بَعُد وصار غريبًا، فنقول: طالت غربة فلان أي طال زمن بعده عن أهله وناسه ووطنه، ونقول: فقد الأحبة غُربة؛ أي أنّ من فقد أحبته صارَ غريبًا بين النّاس وإن لم يفارق وطنه؛ فالغربةُ تحمل معاني البعد عن الوطن ولكنّها تشملُ جميع معاني الوحشة والإحساس بالغربة والنّوى حتى بين أحضان الوطن والأهل.


مقال عن الغربة

لا شكَّ أنّ الوطنَ يشبهُ الأم التي تحتضن أبناءها فتمنحهم شعورًا بالأمان، وإلا لما سُميَّ موطن الإنسان الأصلي الموطن الأم، وربما لن يدرك هذه المعادلة إلا مغترب أجبرته المجاعات أو الحروب إلى مغادرة الوطن قسرًا، فلم يكن يضمر في نفسه نيّة الغربة بل أجبرتهُ صعوبات الحياة أن يصيرَ لاجئًا أو نازحًا في بلد غريبٍ بين ليلة وضحاها، فقد تكون الغربة خيارًا وحيدًا للحياة الكريمة، وهو خيار مرير بلا شكّ؛ فالغربةُ كربةٌ كما يقال، لا سيما وأنّها تُسبّب اضطرابًا في النّفس نتيجة تغيير الرّوتين اليوميّ، وتغير المكان، والعادات، والأهل، والصّحب وقد يكون تغيرًا للأسوأ فتنشأُ مشكلة عدم التّعود على الوطن البديل، فتصبح حياةُ الإنسان في الغربة ما هي إلا حياةً مؤقتةً؛ لأنّ ارتباطه بالأرض والشّعب والهوية ارتباطًا روحانيًا منذ الصغر، وعليه فلن يكون المرءُ المغتربُ قادرًا على العطاء أو بدء حياة جديدة في وطن جديد قد لا يعني له شيئًا، ولكنّ الواجب هو التّعايش وتقبل الأوضاع الرّاهنة، ومحاولة اكتشاف نصف الكأس المُمتلئ؛ فالغربةُ قد تكون فرصةً جليلةً لبداية جديدة، وهذا بالطّبع يتطلّبُ نفسًا مؤمنةً بالله جلّ وعلا فهو المالك للكون، والمغير للقدر، والمُتكفل لحياة البشر، يدبّرُ الأمر وهو على كل شيء قدير، فالرّضا وسيلة تعايش مطلوبة في ظلّ انعدام سبل العودة إلى الوطن؛ لأنّ وقوفَ الإنسان مكتوف الأيدي يصبح شوقًا إلى وطنه لن يغير من المعادلة شيئًا، وإن كانت هذه المشاعر بالطّبع تدقُ الفؤاد بين حين وآخر، فيتذكر المرء أحبته وعائلته، ويستحضرُ شوقه لكلّ شيء، وقد يخاطبُ وطنه بباقة من الكلمات والأشعار، إلا أنّ الحياةَ لن تنتظرَ أحدًا حتى يفيقَ من حالة الحنين وستظل تمشي وتمشي على قدمٍ وساق.


ولنا في رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم خير قدوة، فهو ابن مكة المكرمة، فيها وُلِد وفيها عاش وكبر، وبالرّغم ممّا لاقى من أهلها من الأذى والتّعذيب والتّهجير القسري إلا أنّها ظلت في قلبه بلدًا حنونًا عطوفًا، ولم تقف الغربة عائقًا أمام هدفه عليه الصّلاة والسلام، فنشر الرّسالة وأدى الأمانة ونصحَ الأمة ثم عاد إلى وطنه فاتحًا قويًا بصحبته آلاف المسلمين، وهذا هو درس لنا جميعًا؛ لأنّ الغربةَ لا تعني التّوقف عن العمل، أو الانشقاق عن الوطن، فبذرة الوطن في داخل كلّ إنسان ينبغي ألا تموت مهما طال البعد والغربة، بل ينبغي أن تكبر وتكبر.