اعرف مدى ذكائك

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٢٦ ، ٢٦ يوليو ٢٠١٨
اعرف مدى ذكائك

يقترح المنطق البديهي قضيّةً "نوعًا ما" بديهيّة، تختصّ الأمرَ ونقيضه. فإذا اعتبرنا أمرًا ما خاطئًا، نُعلنُ بذلك على الفور نقيضه "صحيحًا". فلو اعتَبَرتْ أمّةٌ ما خُلُقًا معيّنًا حميدًا، ذمّت على الفور هذه الأمّةُ نقيضَ ذلك الخُلُق. وإذا استخدم الكاتب المسرحيّ الّلباس الأبيضَ للتّعبير عن الشّخصيّةِ الطيِّبةِ في مسرحيّته، يمكننا بسهولة تمييز الشرير من لباسه الأسود الداكن. ولو قُلنا أنّ فلانًا لا يطيقُ الطقس الباردِ إطلاقًا، يمكننا في الحال تصنيفَ هذا الشخص كواحدٍ من عُشّاق ليالي الصيفِ الحارّة... وهكذا.

لكن، ليس من الضروريّ التسليم بهذه الدرجة من الشفافيّة المُطلقة في الحكم على بعض القضايا، على الأقلّ ليس من منظور متّبعي الفلسفة العدميّة Nihilism. حيثُ لا يرى هؤلاء الموضوعيّون الشكّاكون الألوانَ كأبيض وأسود فحسب، ولكنّهم يمعِنون النّظرَ ليروا الّلون الرماديّ أيضًا. وليسَ بالضّرورةِ "كما هو بالنّسبةِ لهم" اعتبار عكس الخطأِ صوابًا! فقد يكون كلا الأمرينِ خطأ أو صحيحٌ تمامًا. لا يرتّبون الأمور على أنها الذميمُ والحميدُ فحسب، وتطالُ نظرتهم ما وراءَ الخير والشرّ. وبالتّالي يعتبرون الأخلاق شيئًا نسبيًا بحتًا، فما تعتبره أمّةٌ ما ذميمًا، يُحمَدُ اتّباعه لدى أمّةٍ أُخرى! وما تراه جماعةٌ معيّنةٌ شرًّا في وقتٍ ما، قد تراهُ الجماعةُ ذاتها خيرًا في وقتٍ لاحق.

ولطالما اتُّهِمَتْ هذه النظرةُ بالتّشاؤم المُفرط والّلامبالاة الحائرة. فها نحنُ ذا نراهم يَصِفُونَ "حمارَ المطحنةِ" بأنّه المثال الأنسبُ لنظرةِ العَدَميّ للحياة!، حيثُ يدورُ هذا الحمارُ ليلًا نهارًا حول الرحاةِ دونَ أنّ يهتمّ لما يطحن، سواء كانت ذرّاتٍ من القمحِ الرخيص أو أطنانًا من حبوبِ البُنِّ الغالية... ولكنه يدور على كل الأحوال دون أن يبالي، فالنتيجة بالنّسبة له سواء.

والسؤال المهمّ هنا، هل كانت هذه النظرةُ العدميّة لشخصيّةِ "الحمارِ المسكين" مُسلّمًا بها لدى الفلسفاتٍ والمناظيرَ الأُخرى كالكلاسيكيّة الإغريقيّة مثلًا؟ لا أظنُّ ذلك. فلطالما رأى الإغريق في الحمارِ رمزًا للمأساويّة، عندما طرحوا تساؤلًا يقول: "هل يمكنُ لحمارٍ أن يكونَ تراجيديًّا؟ أن يَهْلَكَ تحتَ ثِقلٍ لايمكنُ حمله،ُ أو حتّى الإلقاءَ به". فها هم يُشبّهونَ حاله هنا بحال الفيلسوف الإغريقي الذي أوهنهُ ثِقَلَ معرفةٍ لا يقوى على البوحِ بها أو التخلّي عنها. مما يضعه أمامَ خيارين قاسيين لا يُشرِّفه الاختيار بينهما، فإمّا أن يرضى بمعرفتهِ الحقيقةَ ويدفعَ الثمنَ غاليًا بنبذِه من قِبَلِ الجميع، أو أن يعايشَ الجميع شرطَ أن يُنكر على نفسه ما يعرف.

 

والآن، لنرَ ما كان يدور في خاطر أتباع المبدأ الاقتصادي الاشتراكيّ Communism عندما قرّروا أن يكون الحِمارُ ذاته رمزًا لفلسفتهم الاقتصاديّة، عندما جعلوا منه رمزًا للعامِل الجادّ المُثابر، أو ما ندعوه نحنُ بالعاميّة "حِمار شُغل" !!! ومن فضلكم أن لا تُسيؤوا فهمنا، فليس في هذا التشبيهِ أيّ قصدٍ للإهانة، بل العكس تمامًا! فتسعون بالمئةِ من هذا التعبير يحمل المدح والثناء في ثناياه، فمن يا تُرى أغرَقُ وأخلَصُ في عمله من السيّد حمار؟

 

فها نحنُ نراقِبُهُ يحرُثُ الحقلَ ذهابًا وإيابًا دونَ أن يشتكي.. جاريًا خلفَ عصىً مُعلّقٌ بها جزرة. لا يُهمّه متى بدأ العملُ ولا متى موعدُ استراحةِ الغداء.

مهلًا من فضلكم... هل لاحظَ أحدٌ غيري أمرًا مثيرًا للاهتمام في قصّة الحمار والجزرة؟ طبعًا فعلتم، وهل أثار هذا التساؤل الاستدلال على وصفٍ آخرَ مهمٍّ لشخصيّةِ الحمار؟ أظنّ أنّه من الأفضلِ لنا أن نجيب عن التساؤلين السّابقين بسؤالٍ آخر: هل من الممكن أن تنطلي حيلة العصا والجزرة على حيوانٍ آخر؟ كالقطّ مثلاً؟ أو الأسد؟ أو حتّى الثّعلب؟ لا أظنّ ذلك، فالحيوانات الّتي ذكرناها تتّسمُ بصفةٍ جوهريّة يفتقر لها الحمار. هل هي الشّخصيّة القويّة؟ هل هي الخبرة العمليّة؟ أم هل هي المعرفة التّامة بقوانين العمل والعمّال؟ لا أظنّ ذلك فتلك الصفة وباختصار هي الذّكاء.

فما هو يا تُرى الذّكاء؟ وكيفَ يمكن ملاحظته؟ وهل هو قابلٌ للقياس؟ ولو كان كذلك فهل تختلفُ نسبته من فردٍ إلى آخر؟

والجواب هو نعم وبالتّأكيد، فالذّكاء أمرٌ يسهلُ ملاحظته، ويمكن قياسه طبعًا، وذلك عن طريق أساليب وقواعد عِلميّة، تتلخّصُ بما يُسمّى اختبار نسبة الذّكاء، أو (Intelligence Quotient/IQ).

ولكن قبل البدء بالحديث عن هذا الاختبار، لنتحدّث قليلًا في موضوع الذّكاء، وأعدُكم أنّه سيكونُ موضوعًا شيقًا للغاية ومثيرًا للدّهشة.

 

تعريف الذّكاء:

يُعد تعريف الذّكاء اصطلاحًا شائكًا ومتفرّعًا لدرجةٍ لا يُستهان بها أبدًا، حيثُ نجدُه في كافّةِ الكتب والمجلّات والمواقع العلميّة يأخذُ شكلًا وهيئةً مختلفةً عن الأخرى، وذلك اعتمادًا على منظور الجهة المعرّفة لهذا المصطلح. فتارةً نراه يتركّز على توضيح القدرات العقليّة، إذا عرّفه المختصون بعلم النفس أو السيكولوجيا، وتارةً نلاحظ بذلك التعريف التركيز على التشريح “anatomy” الدماغي والأعصاب، إذا تطرّق للحديثِ عنه أهلُ الطبّ وأخصّائيو الجراحة. وقد نراهُ أحيانًا مرتبطًا بالمعرفة وعدم المعرفة، بقابليّةِ التعلّم أو جمودها، إذا بدأ علماء المنطق والفلسفة بالحديثِ عن الذكاء بجديّة.

ولكن، ليس من الإنصاف لو ادّعينا أنه لا يوجد على الأقلّ بعض التعريفات المتّعارفُ عليها لدى الأغلبيّةِ العظمى من هذه المجتمعات المُختّصة. ومن باب العدل سنذكر بعضها.

·        تعريف جمعيّة التيار العلمي الباحث في شؤون الذّكاء، أو “Mainstream Science on Intelligence”:

ولِمن لم يسمع مسبقًا بهذا البحث، فهو من أهمّ المحاولات العلميّة المُختصّة بمبحث الذّكاء وتطوّر مفهومه عبر هذه السنوات، وقد صدرت هذه الورقة البحثيّة في مجلّة  وال-ستريت الأمريكيّة سنة 1994. وتُعرِّف الذّكاء على أنّه:

"واحدة من مجموع القدرات العقليّة العامّة المتعلّقة بالتّفكير، والتخطيط، وحلّ المشكلات، والقدرة على التفكير المُجرّد واستيعاب الأفكار المُعقّدةِ التركيب، وتتضمّن أيضًا القدرة على التّعلّم السريع من التجارب والتحدّيات".

·        تعريف اتّحاد علماء النفس الأمريكيين American Psychological Association

وهذا التعريف صدر في بحثٍ علميّ تحت مسمّى "الذّكاء: المعروف والمجهول"، أو  Intelligence: Knowns and Unknowns. ويُتحدّث عن موضوع الذّكاء كالتّالي:

" يختلف الأفراد عن بعضهم البعض في قدرتهم على فهم الأفكار المعقدة، والتكيف بشكل فعال مع البيئة، والتعلم من التجارب السابقة، واستعمال أشكال مختلفة من التفكير للتغلب على العقبات. مع ملاحظة وجود الكثير من الفروقات الفرديّة في طبيعة وآليّة هذه القدرات العقليّة، من شخص إلى آخر، مابين مناسبة وأخرى. ممّا يُصعّب وضع معايير مُطلقة للحكم النهائي".

·        تعريف ألفريد بانيت، Alfred Binet.

ويُعد ألفريد بانيت، من أهمّ علماء النفس في القرن التاسع العشر، حيث يُنسب له الفضل بوضع أوّل فحص لقياس الذّكاء، I.O Test، ويُذكر أنّ ألفريد بانيت كان مهتمًّا بتسجيل الملاحظات أثناء مباريات الشطرنج، ويُقال أنّه قام ببعض التجارب مع اللّاعبين المحترفين لهذه اللّعبة، حيثُ كان يراقبهم يلعبون الشطرنج وهم معصوبي العينين، لمعرفة من منهم يستطيع تذكّر كامل حركاته وحركات خصمه منذ بداية الجولة وأثناء التفكير بالحركات التالية.

ويُعرّف بانيت الذكاء على أنّه "الحكمة والنظرة الإيجابيّة في التعامل والتّكيّف مع محيط الفرد".

·        تعريف ديفيد وِيكسْلِر، David Wechsler.

يُعتبر ويكسلر المسؤول عن وضع ما يُسمّى بمقياس الذّكاء، intelligence scale. وهو واحد من أهم اختبارات فحص الذّكاء للرّاشدين والكبار في السنّ. ويُعرّف الذّكاء على أنّه: " القدرة الكلية أو العالمية للفرد للعمل بشكل هادف، والتفكير بعقلانيّة، والتعامل بفعالية مع بيئته". ·        تعريف لويد هًمْفريز، Lloyd Humphreys. والذي يُعدّ من أهم الأطبّاء النفسانيين والباحثين في أمور السلوك الإنساني،(Human Behavior). ويُعرّف الذكاء بأنّه: " الخلاصة النهائيّة لعملية اكتساب وتخزين الذاكرايات واسترجاعها، والجمع بينها ومقارنتها واستخدامها في سياقات جديدة ومهارات مفاهيمية بحتة".

·         تعريف ليج وهاتِر، Legg & Hutter.شين ليج  (shane legg)، وماركوس هاتِر (marcus hutter). عَلَمَان من أعلام ميكانيكا الروبوتيكس وباحثان رائدان في الذكاء الإصطناعي (Artificial Intelligence/AI).ويصفان عمليّة قياس الذكاء بأنّها: "قياس قُدرة الفرد على تحقيق أهدافه المختلفة، في نطاق بيئةٍ شاسعة ودائمةِ التغيير". وكما نرى هنا، فقد تنوّعت التعريفات والتوضيحات المتحدّثة عن موضوع الذّكاء، لذا سنتفق على تعريفٍ شامل يغطّي كافّة المجالات المتناولة للموضوع "قدر الإمكان".  "الذّكاء: هو مصطلح يشمل القدرات العقلية والذّهنيّة المُختصّة بالقدرة على: التحليل والتخطيط وحل المشكلات، وبناء الاستنتاجات وسرعة المحاكمات العقلية، كما يشمل القدرة على التفكير المجرد (Abstract Thinking)، وجمع وتنسيق الأفكار، والتقاط اللّغات، وسرعة التعلّم، كما يتضمن أيضًا القدرة على الإحساس وإبداء وتبادل المشاعر".  مصدر وتاريخ المصطلح، (Etymology): تُعدّ كلمة ذكاء، Intelligence، مشتقّة من المصدر اللّاتيني intellēctus ، ومعناه أن "تَعِي وتَفهم". وفي العصور الوُسطى أصبح هذا الّلفظ مرتبط بعمليّة الاستيعاب Understanding.  وعبّروا عنها فلسفيًّا ب "خلود الروح"، أو "Immortality of the Soul".

 

أشكال الذّكاء: 

·        الذّكاء الإنساني، أو human Intelligenceوهي القدرة الفكريّة "Intellect" لدى البشر، والمتميّزة بمستوىً عالٍ من الإدراك، والوعي، والتحفيز. وتمتاز عن غيرها من الأشكال: بقدرات التذكّر المعقّدة، التواصل وتبادل المعلومات ما بين الأفراد والأجيال القادمة، عن طريق الّلغة وأساليب التعبير.

·        الذّكاء الحيواني، أو Animal cognitionأو كما يجدر بنا تسميته "الإدراك الحيواني"، ويُعتبر البحث في ذكاء الحيوانات موضوعًا شديد التفرّع، لكونه يشمل البحث في مختلف الأصناف الحيوانيّة على حدة. للقيام بملاحظة قدرات الحيوانات العقليّة والفكريّة أثناء التعامل مع البيئة المحيطة ومتغيّراتها، حيثُ سجّلت بعض الأجناس الحيوانيّة مستوياتٍ مختلفة عن غيرها، وسجّل أفرادٌ من صنفٍ واحد مستوياتٍ متغايرة عن أفراد أخرى في نفس الصنف.

·        الذّكاء في النباتات، أو Plant Intelligence:يقترح بعض العلماء افتقار النباتات لما ندعوه بالذّكاء بمعناه الحقيقي، كون النباتات نادرًا ما تتفاعل بشكلٍ لحظي أو بنّاء مع محيط بيئتها، بينما يُذكّر البعض الآخر منهم بوعي النباتات الداخلي لما يحدث فيها من تفاعلات وتغيّرات تساعدها على البقاء، وما يُصنّف على أنّه ذكاء خِليوي "cellular Intelligence".

·        الذّكاء الإصطناعي، أو "Artificial Intelligence/AI": هو سلوك وخصائص معينة تتّسم بها البرامج الحاسوبية، تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها. ومن أهم هذه الخاصّيّات: القدرة على التعلم والاستنتاج، ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج عليها في الآلة. ويُعدّ مبحث الذّكاء الاصطناعي فرعًا من فروع علم الحاسوب "Computer Science". يُعرِّف الكثير الذكاء الاصطناعي على أنّه دراسة وتصميم العُملاء الأذكياء "Intelligent Agents".

 

أنواع الذّكاء، Intelligence Types:

1. الذّكاء الفِطري،  Naturalist Intelligence:

الذكاء الفِطري أو الطبيعي، يتمثّل بالقدرة على التمييز والتفريق بين الأشياء، الكائنات الحيّة، والميّزات الأخرى الموجودة العالم الطبيعي. ومن الواضح أن هذه القدرة كانت ذات قيمة كبيرة ومؤثّرة في ماضينا التطوريّ كصيادين وجامعينHunter-Gatherer ، ومزارعين، وما تزال هذه القدرة ضروريّة لنا كبشر حتّى في مجتمع تطغى عليه الطبيعة الاستهلاكيّة البحتة، حيثُ تعمل هذه المَلَكَة الطبيعيّة كَحدْس الصيّاد المطارد لفريستِه، وإنّما يوظفها في التمييز بين الضروريّات اليوميّة والرّفاهيّات الإضافيّة، كاختيار السيارات، والملابس، الأحذية الرياضية، وحتّى أنواع الماكياج وما شابه ذلك.

2.    الذّكاء الوجودي، Existential Intelligenceوتتمثّل هذه النوعيّة من الذّكاء، بقدرة وميل الفرد لطرح الأسئلة الوجوديّة والروحانيّة، والمتمثّلة بالحياة، والموت، والوجود، والعدم... وغيرها.

3.    الذّكاء الاجتماعي، Interpersonal Intelligenceويتمثّل بالقدرة على فهم الآخرين والتفاعل معهم، وذلك عن طريق التواصل اللفظي وغير اللفظي. إضافة للمقدرة على ملاحظة وتمييز الفروقات بين الآخرين والتقاط مِزاجاتهم المختلفة واستيعاب وجهات نظرهم المتعددة بسلاسة. ويُظهِر المعلّمون، الأخصائيون الاجتماعيون، الممثلون، والسياسيون جميعًا ذكاءً اجتماعيًا عاليًا. فالشباب بهذا النوع من الذكاء هم قادةٌ بين أقرانهم.

4.    الذّكاء الشخصي، Intra-Personal:ويُمكن ترجمته حرفيًّا بالذّكاء "داخل الشخصية"، وهو القدرة على فهم ذات الشّخص وأفكاره ومشاعره، واستخدام هذه المعرفة في التخطيط والتوجيه لحياته. والذكاء الشّخصي لا ينطوي على تقدير الذات الأعمى وحسب، بل ينطلق لفهم الطبيعةِ الإنسانيّة بشكلٍ مجرّد وحُكمٍ محايد. ومن الواضح أنّ عُلماء النفس والفلاسفة والقادة الروْحانيين من أهمّ العيّنات المسجِّلة لهذا الذّكاء بشكلٍ لافت.

5.    الذّكاء الجسماني، Body-kinetic Intelligence:وهو ذكاء حركي وجسدي بحت، ويتميّز بالقدرة على التلاعب بالأشياء باستخدام مجموعة متنوعة من المهارات البدنية. وهذا الذكاء يتطلّب دِقّةً عالية بعمليات التوقيت وكمال المهارة، وذلك من خلال الاتحاد السَّلِس بين العقل والجسم بما يوصَف بالذاكرة العضليّة Muscle Memory. نجد هذا النوع من الذكاء بوفرة بين الرياضيين، الموسقيّين، الراقصين، الجراحين، والحرفيين.

6.    الذكاء المنطقي أو الرّياضي، Logical-Mathematical Intelligence:الذكاء المنطقي الرياضي هو القدرة على حساب وتحديد والنظر في المقترحات والفرضيات والقيام بعمليات رياضية كاملة. ويتمثّل بإدراك العلاقات الحسابيّة والكميّة، عن طريق التواصل باستخدام الفكر المجرد والرمزي، وتوظيف مهارات التفكير المتسلسل وأنماط التفكير الاستقرائي والاستنتاجي.وعادة ما يكون الذكاء المنطقي متطوّرًا بشكل عالٍ لدى علماء الرياضيات والفيزيائيّين ولاعبي الشّطرنج.

7.    الذّكاء الّلغوي، Linguistic Intelligence:

هو القدرة على التفكير اللغويّ، عن طريق استخدام اللغة للتعبير عن المعاني المعقدة وتقديرها. فالذّكاء اللغوي يسمح لنا أن نفهم ترتيب ومعانى الكلمات، وتطبيق المهارات اللغوية للتفكير بشكلِ لُغات. ويُعتبر الذكاء اللغوي واحدًا من أهم  الكفاءات البشرية المشتركة على نطاقٍ واسع.

ويتّضح هذا النوع من الذّكاء لدى الشعراء، والروائيين، والصحفيين، والناطقين العامّين Public Speakers.

 8.    الذّكاء السّماعي أو الموسيقي، Musical Intelligence:

وهو القدرة على تمييز النّغمة، والإيقاع، والموجة، والنّبرة في الأصوات. هذا النوع من الذكاء يمكّنُنا من: تقدير، وخلق، وإعادة إنتاج الموسيقى، كما يتضح من تصرّفات المغنيين والعازفين والمؤلّفين الموسيقيين وحتّى أصحاب الأذن الموسيقيّة، لما يُظهرون من حساسيّة وعاطفة تجاه المُركّبات الصوتيّة. ومن المثير للاهتمام قدرة هؤلاء الأشخاص على تمييز الأصوات التي قد تفوت الآخرين.

9.    الذّكاء الفراغي، Spatial Intelligence:

ويتمثّل بالقدرة على التفكير في ثلاثة أبعاد 3D. ويشمل هذا النوع من الذّكاء القدرات التّصوّريّة العقلية الأساسية كالتفكير المكاني، والتلاعب الصوري، والخيال النشط.

ويتمتع بهذا النوع من الذّكاء  البحّارة، والطيارون، والنحاتون، والرسامون، والمهندسون المعماريون.

 

متفرّقات: علاقة الذّكاء بـ:

·        الذّكاء والوراثة

توريث الذّكاء ليس إلّا مجرّد تقدير حسابي، يشير إلى كميّة الاختلافات الّتي يمكن نسبها للجينات. ولطالما أحاطَ الغُموضُ موضوع توارث الذّكاء في المجتمع الأكاديمي منذ بدأ البحث فيه أواخرَ القرن التاسع عشر، والجدير بالذّكر عند الحديث عن انتقال الذّكاء من الأهل إلى الأبناء التركيز على موضوع البيئة الاجتماعيّة الّتي تمّت تربية الأبناء فيها، فقد لوحظ وجود تباين لا يُستهان به بين البيئات والطبقات الاجتماعيّة الّتي ترعرعت فيها تلك العينات المعنيّة.

·        الذّكاء بين الجنسين:لطالما كانت عمليّة البحث في فروقات الذّكاء بين الجنسين عمليّةً مستمرّة ومثيرة للجدل، حيثُ ادّعى البعض تفوّق الذّكور مرّةً، وادّعى البعضُ الآخر تفوّق الإناث. ولكن وللأسف ودون التوصّل لما يمكن اعتباره قاعدة علميّة أساسيّة في أيٍّ من بحوثاتهم. باستثناء الإجماع على أنّ النتائج المسجّلة في الذّكور كانت تحمل صفة عالية من التباين، Variation. حيثُ كانت تلك النتائج هي الأكثر تسجيلاً في خانتيْ الذّكاء العالي جدًّا أو المتدنّي جدًّا.

·        الذّكاء بحسب القطاع Intelligence Per Region:لقد جرى الكثير من الدراسات حول علاقة الذكاء مع العرق Race، أو ما نسمّيه قطاعًا Region. وقد لوحِظ وجود تأثير اقتصادي ومعيشيْ أكثر مما هو تأثير جيني أو عرقي لمعدّلات الذكاء في أيٍّ من هذه القطاعات التي جرت دراستها. فالقطاعات ذات التطوّر الاقتصادي الأكبر والمستوى المعيشي الأفضل والمستوى التعليمي الأعلى ونسبة الجريمة المنخفضة، سجّلت معدّلات ذكاء أعلى بكثير من نظيراتها ذات المستويات الإقتصاديّة والمعيشيّة والتعليميّة المُنخفضة.وقد سجّلت القطاعات التالية مستوىً مرتفعًا جدًا من الذكاء:  بعض دول شرق آسيا كاليابان والصين وكوريا الجنوبيّة وسنغفورا. وكانت القطاعات ذات المستوى المُرتفع من الذكاء أمثال: دول أوروبا الغربيّة، الولايات المتحدة الأمريكيّة، كندا، وأستراليا.أما المستوى العادي Average فكان من نصيب: دول أمريكا الجنوبيّة وبعض دول أوروبّا الشرقيّة.وسجّلت كلّ من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مستويات متدنيّة من الذكاء.أمّا بالنسبة للنتائج ذات المستوى تحت المتدنّي فكانت دول القارّة الأفريقيّة طبعًا.

·        الذّكاء والإنصاف، Handedness:يقترح عِلم التشريح Anatomy، أنّ الدماغ مكوّن من فصّين، Hemispheres. أيمن وأيسر، الأيمن يتحكّم بالجزء الأيسر من الجسم، كاليد والقدم والعين اليسرى، والفصّ الأيسر يتحكّم باليد والقدم والعين اليمنى... وهكذا. ومن المعروف أنّ الجزء الأيسر من الدماغ مسؤولٌ عن عمليات المنطق، الحسابات الرياضيّة، والتفكير الواقعي، وأصحاب الجزء الأيسر من دماغهم مسيطرًا على العمليات الميكانيكيّة في أجسامهم يملكون يدًا يمنى مسيطرة، أو Right-handers. وهم يشكّلون ما يفوق ال90% من سكّان الكوكب. أمّا الجزء الأيمن من دماغنا فمسؤولٌ عن كلٍّ من الإبداع الحسّ الفنّي، العواطف، والمُخيّلة الواسعة، والمعنيون هنا هم أصحاب اليدّ المسيطرة اليُسرى أو ما نسمّيه بالشّخص "الأعسر"، Left-hander، ونسبتهم لا تكاد تصل الـ 10% من المجموع. والشّائع ذكره أنّ الشّخص الأعسر يمتلك نسبةً أعلى من الذّكاء من نظيره "الأيمن" اليد. وإلى جانب ما ذكرناه، فهناك نوعٌ ثالث من الأشخاص "بالنسبة للإنصاف" وهم متماثلو الإنصاف، أو Ambidextrous. وهؤلاء الأشخاص ينفردون عن النوعين السابقين بامتلاكمهم قسمين دماغييّن مسيطرين على الدوام، ويدين مسيطرتين يمكنهما أداء كافّة المهام والوظائف اليوميّة بنفس المهارة، كالكتابة والرسم والطبخ والأكل والشرب والعزف... إلخ، ومن المعروف أنّ الأشخاص بهذه النوعيّة من الإنصاف يسجلون نسبة مُرتفعة جدًا من الذّكاء تصل عادة إلى العبقريّة، وهؤلاء الأشخاص -كأمثال الفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي، والعالم الأشهر على الإطلاق ألبرت آينشتاين، والموسيقي العظيم وولفجانج أماديوس موتزارت- يُمثلون نسبةً نادرة جدًا من مجموع العالم، لا تتعدّى الـ (1%).

·        الذّكاء واللّغات:تُعتَبَر عمليّة تعلُّم لغة جديدة عمليّة مُرتبطَة بعوامل مُختلفة مُتعلّقة بالذّكاء، كالذّاكرة، والتفكير المُجرّد Abstract Thinking. إضافة إلى مَلَكة "التحليل والتركيب" Analysis & Synthesis،  بما يخُصّ المُركّبات الّلغويّة والصوتيّة. وما يُميّز الشخص الذكي عن غيره قدرته على استيعاب الألفاظ الغريبة "Foreign Phrases" بسهولة وبمعزل عن لغته الأمّ. وهناك أشخاص يمكنهم التحدّث بأكثر من لغة مختلفة وبطلاقة تامّة، كالمُمثّل النمساوي كريستوف فولتس Christoph waltz، المُتحدّث لكلٍّ من اللّغة الإنجليزيّة، والألمانيّة، والإيطاليّة، والإسبانيّة، وبطلاقة.

·        الذّكاء والاكتئاب:الرِّهاب Paranoia، والاكتئاب Depression، والعُزلة Anti-socialism، وفي بعض الأوقات الفِصام schizophrenia، تداخلاتٌ نفسيّة عميقة لطالما عانى منها الكثير من المُبدعين والخلّاقين من الفنّانين، والكُتّاب، والموسيقيّين، والممثلين. وقد أثار الأمر الاهتمام بعلاقة ذكاء هذه النُّخبة من العباقرة وحالتهم النفسيّة أو العقليّة. فلو كان التّاريخ كما يقولُ الكثير يحمل صفة "المعلّم الأمثل" لتحدّث لنا عن حالة الموسيقي الشّهير لودفيج فان بيتهوفن، الذي كان يعاني من الاكتئاب ثنائي القطبين  Bipolar depression، أو عن آخر أيّامٍ قضاها كلٌّ من الفنّان فنسنت فان غوخ، والموسيقي روبرت شاومان، والفيلسوف فريدريك نيتشه بين جدران المصحّات العقليّة، أو عن حالات الاكتئاب المُزمِنة الّتي أصابت كلًّا من الكاتبيْن إيرنيست هيمنجوي، وأوسامو دازايّ، والشّاعر الشّاب توماس تشاتيرتون لتودي بهم جميعًا إلى الانتحار المأساوي.

·        الذّكاء وحِسّ الدعابة:في دراسةٍ جرى البحث بها في مطلع السبعينيّات من القرن المُنصرم، لوحظ تسجيل 55 من الكوميديين Comedians الذكور و14 من الإناث، مستوىً صاروخيًّا من الذكاء. مما أثار الجدل في البحث عن علاقةٍ بين الذّكاء من جهة وبين حسّ الفكاهة Sense of Humor من جهةٍ ثانية، والجدير بالذّكر إجماع الأغلبيّة على صُعوبة تكوين ما يُسمّى بالنّكتة المثاليّة، حيثُ تتضمّن هذه العمليّة مهاراتٍ لغويّة عالية وحسًّا دقيقًا بالتوقيت، وإحاطة تامّة بمجريات الحياة. مما يجعل صاحب النكتة على صلة بواقع حال المستمع له، وذلك بإلمامه بالمشاكل التي يعاني منها ذلك المُستمع. والكثير من النّقاد الفنّيين في هذه الأيّام يُصنِّف الكوميديون على أنّهم فلاسفة العصر الحديث، فهاهم يتحدّثون في السياسة، والدين، والاقتصاد، وأمور الحياة اليوميّة Every-day Matters.

·        الذكاء والموسيقى:يقول المختصّون في بحوث الذّكاء أنّ تعلّم الأطفال في سنٍّ مبكرة للموسيقى يضمن بشكلٍ كبير ارتفاعًا في مُستوى ذكائهم، بل وقد أجريت في تسعينيّات القرن الماضي مجموعة كبيرة من التجارب الموضعيّة للأمّهات الحوامل، عن طريق تعريض الأجنّة للاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكيّة في أول شهور الحمل بما تمّت الإشارة له "بتأثير موتزارت، Mozart Effect".

 

والآن، وبعد الحديث عن الذّكاء بأشكاله، أنواعه، تعريفاتِه، وعلاقته بما حوله، لم يتَبقَّ لنا إلّا أن نتطرق بالحديث عن آليّة قياسه "أيّ، باستخدام اختبار الذكاء". فما هي ماهيّة ذلك الاختبار؟ وما هو أُسلوب قياس نتائجه؟ وكيف تُصنف هذه النتائج وترتب كمستويات؟

اختبار الذكاء، IQ Test:

صممت اختبارات قياس مستوى الذكاء بطريقة علميّة بَحْتَة تمكّننا من استخراج النتائج بأقرب درجة للدّقة، حيثُ تُحاكي هذه الأسئلة مستوى "ذكاء" الشّخص بعيدًا عن مستوى "ثقافته". ويعتمد حلّ هذه الأسئلة على المنطق الذهني، المُختصّ بالقدرة على إيجاد حلول المسائل البسيطة والمعقّدة، والربط بين الأشياء المختلفة وإيجاد العلاقة بينها، والأهم؛ الاعتماد على قدرات الذاكرة اللحظيّة. ويتضمّن الاختبار عادةً أسئلةً مختلفة تتراوح بين السّهلة، والصّعبة، والصّعبة جدًا. وتُجمع النقاط المُسجّلة لتُحقّق رقمًا معيّنًا يجري ربطه بالمقياس المتعارف عليه للذّكاء، والأرقام المُسجّلة عادةً تكون ضمن الحدود التالية:

·        أقلّ من 80 درجة:

أو ما يُسمّى عادةً بـ "حاول مرّةً أُخرى"، ويُعتبر من يُسجِّل نتيجةً ضمن هذه الحدود أنه يعاني تدنّي شديدًا في مستوى الذّكاء، وأحيانًا قد يصل إلى مرحلة التخلّف العقلي.

·        من 80 -89 درجة:

والوقوع ضمن هذه الحدود مؤشّر على ذكاء منخفض لصاحب النتيجة، وقد يُلاحظ بعض الفُتور والملل في شخصيّته والبُطء في استيعابه.

·        من 90 – 109 درجة:

أصحاب هذه النتيجة هم الغالبيّة العظمى، ويقال لهم أصحاب الذكاء العادي أو Average Intelligent.

·        من 110 – 119 درجة:

وهذا ما يعتبره البعض ذكاءً متوسّطًا، فإن سجّل أحدهم ما بين هذه الدّرجات يُمكن اعتباره شخصًا "ذكيًّا"، ولكن ليس استثنائيًّا أبدًا.

·        من 120 – 139 درجة:

تحقيقُ نتيجةٍ بهذه الحدود يُعتبَرُ ذكاءً عاليًا ومُميّزًا جدًا.

·        140 فأكثر:

لو سجّلتَ عزيزيَ القارئ نتيجةً فوق 140 فتهانيّ لك.. فأنت عبقريّ، وذكاؤك نادرٌ جدًّا، وبصراحة.. يحقُّ لك التّفاخر واستفزاز الجميع... فلن يلومَ أحدٌ عبقريًّا على غروره..

وفيما يلي سنستعرض عيّنة بسيطة من هذه الأسئلة لتوضيح طبيعة اختبار الذكاء:

·        ما هو الرقم الّذي لا ينتمي إلى المجموعة؟

1،3،5،7،8،9،11

·        ما الّذي تعتبره شاذًّا عن المجموعة؟

كلب، قطّ، أسد، أفعى، حوت

  • ماري، التي تبلغ من العمر ستة عشر عامًا، وعُمرها يساوي أربعة أضعاف عُمر شقيقها حاليًّا. كم سوف يكون عمر ماري عندما يصل عمرها ضِعف عُمر شقيقها؟
  • ما التّالي؟

29, 27, 24, 20, 15...

  • كلمة PEACH بالنسبة لكلمة HCAEP بمثابة 46521 لِ؟:

25641-26451-12654-51462-15264

·        إذا كان كلّ X هو Y، وكلّ Y هو Z. إذًا كلّ X هو Z.

صحيح/ خاطئ

·        لو كنت واقفًا أمام المرآة ولمست أذنك اليسرى باستخدام يدك اليمنى فإن صورتك في المرآة ستظهرك كأنك تلمس أذنك اليمنى بيدك اليسرى.

صحيح/ خاطئ

·        27 دقيقة قبل الساعة السابعة هي نفسها 33 دقيقة بعد الساعة الخامسة.

صحيح/ خاطئ

 

وبعدما اطّلعنا معًا عزيزي القارئ على عينة من أسئلة الاختبار، أنصحكَ بتجربته بنفسك، فشبكة الإنترنت -ولحسن الحظّ- مليئة بهذه الاختبارات بكافّة أنواعها وأشكالها، فمنها ما يستهدف الكبار ومنها ما هو مُخصّص للأطفال، بعضُ الأنواع صُمّمت بعناية لتناسب فئة الإناث والبعض الآخر للذكور. فلا تتردّد أبدًا في خوْضِ هذه التجربة الممتعة ولا تجعل الرّهبة أو الخجل يمنعانك من معرفة ذاتك أكثر فأكثر، أو كما قال المعلّم العظيم أريسطو: "معرفة المرء لذاته هي أول خطوة له في طريقه إلى الحِكمة".

 

وقبل الختام، ومن باب التشجيع، سنتركك عزيزي القارئ مع بعض الشّخصيات والأسماء الشهيرة من ذوي الذّكاء العبقريّ.

الكاتب الإنجليزي تشارلز ديكينز، العالِم الإنجليزي مايكل فارادي، الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، الفنان الإيطالي مايكل أنجيلو، الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، عالم الفَلَك الإيطالي جاليليو جاليلي، الفيزيائي الإنجليزي آيزاك نيوتن، الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي، الممثل الأمريكي جيمس وودز، الممثل السويدي دولف لاندجرين، المُغنّي كريس كريستفرسون، المُخرج السينمائي كوينتن تارينتينو، الكوميديّان كونان أوبرايِنْ و رون أتكينسون أو كما نعرفه جميعًا ب "مستر بين".

أحمد عودة