مفهوم الاستشراق

مفهوم الاستشراق
مفهوم الاستشراق

مفهوم الاستشراق

يُعد الاستشراق Orientalism أحد أهم المدارس الفكرية الغربية التي ظهرت بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بغرض دراسة اللغات، والفلسفات، والآداب، والفنون، والشرائع القانونية الخاصة بالأمم الآسيوية أو الشرقية، وحازت هذه المدرسة على شهرة واسعة وكبيرة بين الباحثين والمستعمرين البريطانيين الذين طالبوا بإعطاء الهند فرصة لحكم نفسها بنفسها ووفقًا لقوانينها الشرقية الخاصة بدلًا من القوانين والأنظمة الإنجليزية، وفي القرن العشرين أعرب الكثير من المستشرقين عن ضرورة تسمية دراسات الاستشراق الخاصة بهم ب"الدراسات الآسيوية" لإبعاد الاستشراق عن الصبغة الاستعمارية التي علقت برؤوس الكثير من الناس، لكن حديثًا لاحظ الباحثون تنامي ظاهرة استخدام مصطلح الاستشراق للدلالة على الأفكار النمطية والاعتباطية عن الثقافات العربية والآسيوية في أذهان الغربيين، وقد جاء هذا نتيجة للأعمال التي نشرها المفكر الأمريكي من أصول فلسطينية إدوارد سعيد.[١]


نشأة الاستشراق

يصعب تتبع نشأة الاستشراق أو اللحظة الدقيقة التي حدث فيها انفصال العالم لقسم غربي وآخر شرقي، لكن من المعروف أن اصطفاف الأمم الغربية والأوروبية بمواجهة الأمم الإسلامية الشرقية وشمال أفريقيا قد حدث في محاور تاريخية كثيرة، كما أن المسلمين كانوا عبارة عن كائنات غريبة بنظر الأوروبيون المسيحيين خلال القرون الوسطى، وفي الحقيقة فإن الكثير من الأوروبيين كانوا على جهل بوجود حضارات في الهند والصين في تلك الفترات، لكنهم كانوا يعلمون أن هنالك منتجات ثرية وغنية تأتي من تلك النحاية من العالم على رأسها الحرير والقماش الفاخر، وعلى أية حال، ظهر مفكرون في عصر التنوير خلال القرن الثامن عشر، وأعلو من شأن الثقافات الشرقية على حساب الثقافات الغربية، وكان من بينهم المفكر الفرنسي الشهير فولتير، الذي تحدث بإسهاب عن الزردشتية، ودرس مفكرون آخرون مثل يوجين بورنوف وماكس مولر البوذية والهندوسية جديًا، وهنا ظهرت الروابط المعقدة بين التاريخ المبكّر للثقافات الشرقية والغربية، وحدث كل هذا في ظل التنافس بين فرنسا وبريطانيا للسيطرة على الهند.

وقد حاول بعض المفكرين الغربيين أيضًا دراسة الدين الإسلامي واستكشاف معانيه وقيمه، ومع حلول القرن التاسع عشر أصبحت الدراسات الشرقية مدرسة أكاديمية منفصلة وذات احترام بين أوساط المفكرين، لكن النزعات العنصرية والأفكار الانحطاطية عن الأمم الشرقية كان لها وقعًا كبيرًا على دراسات الاستشراق نتيجة للتوسع الاستعماري، فرافق اتساع الدائرة العلمية اتساع المواقف العنصرية والصور النمطية عن الشرقيين، وظهر هذا بشكل خاص بعد ظهور ما اصطلح عليه باسم "عبء الرجل الأبيض"، الذي يشير إلى مسؤولية الرجل الأبيض عن انتشال الأمم الشرقية من الرجعية وسوء إدارة نفسها.[٢]


ما أهداف الاستشراق؟

ادعى المفكر الشهير إدوارد سعيد أن مفهوم الاستشراق قد صنعته الأيديولوجية السياسية الأوروبية بهدف السيطرة على الشرق ومحاولة سلخه عن الغرب قدر الإمكان، فضلًا عن تمكين الغربيين من إعطاء أنفسهم الحق أو السلطة للتحكم بآراء الشرقيين وتوجيهها بالطريقة الأنسب بما يخدم المصالح الغربية، وهذا أدى إلى خلق صورة نمطية غير دقيقة أو صحيحة عن الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، والقارة الآسيوية عمومًا، ويُمكن رؤية هذا الأمر بوضوح في الفنون والرسومات التي رسمها بعض المستشرقين، والتي أظهرت الشرقيين بحلة وهيئة بعيدة عن الواقع وركزت على الوحشية والعبودية لدى المجتمعات الشرقية، ومن المهم التذكير هنا بأن أهداف الاستشراق قد تتوافق إلى حدٍ كبير مع أهداف الاستعمار والإمبريالية، وهذا ظهر بجلاء في عشق بعض الغربيين لامتلاك المواد والمنتجات المصنوعة من الشرق بحجة أنها ذات قيمة عالية ومن المهم الاستيلاء عليها أو على الأقل الاستحواذ عليها بطريقة غير مباشرة، فيمكنك القول إن الاستشراق يبني أساطير وصورًا نمطية ثقافية ومكانية وبصرية عن دول الشرق، ويربط هذه الصور بالأيديولوجيات الجيوسياسية للحكومات والمؤسسات، ولا شكّ أن هذه الأساطير أثرت على تكون المعرفة وإنتاجها.[٣]


قد يُهِمُّكَ: أشهر المستشرقين

حاول المفكر إدوارد سعيد تعريف المفكر المستشرق بأنه كل إنسان يكتب عن، أو يُدرس، أو يبحث في المسائل الشرقية، سواء أكان هذا الإنسان مختصًا بعلوم الاجتماع، أو التاريخ، أو الأنثروبولوجيا، أو علوم الفقة أو اللغة،[٤]ووفقًا لهذا التعريف فإن الكثير من المؤرخين والكتاب الغربيين يُمكن اعتبارهم مستشرقين، لكن كما هو معروف فإن المستشرقين الكبار الذين تركوا بصمتهم في موضوع الاستشراق هم المفكرون البريطانيون كما ورد مسبقًا، فضلًا عن بعض المستشرقين الفرنسيين، وفيما يلي يمكنك أن تتعرّف على أبرزهم:

  • جيمس برينسيب: كان جيمس برينسيب أحد البريطانيين العاملين في شركة الهند الشرقية البريطانية، وقد عمل أيضًا في العمارة والرسم، لكنه وفي نفس الوقت انخرط في الكتابة والبحث عن التاريخ الهندي إلى درجة أنه أصبح مرجعًا مهمًا في التاريخ الهندي بنظر البريطانيين؛ وذلك بفضل سعيه الحثيث لفك ألغاز بعض أهم المخطوطات الهندية حتى في آخر أيام حياته.[٥]
  • جون فيلبي: حجز جون فيلبي لنفسه مكانًا متقدمًا في قائمة البريطانيين الذين حاولوا استكشاف السعودية والقبائل العربية، والعجيب بأمر هذا المستشرق أنه ولد أصلًا في سيريلانكا، ودرس في كامبريج، لكنه غادر الهند في عام 1915، وذهب إلى العراق ليخدم في طلائع الاستخبارات البريطانية، ثم سعى بعد ذلك إلى ترك العمل الحكومي ليعمل في التجارة ويهب حياته لاستكشاف المناطق العربية، ثم أعلن إسلامه في عام 1930، لكنه اشتهر بعد ذلك بدخوله على خط الصراع الفلسطيني ومحاولة توفيق الخلافات بين الأطراف العربية والإسرائيلية.[٦]
  • الليدي آن بلنت: ترعرعت السيدة آن بلنت في طبقات المجتمع الإنجليزي المثقفة والراقية، وكانت تهتم كثيرًا بالكتابة والسفر وركوب الأحصنة، وهذا ما دفعها إلى الذهاب مع زوجها إلى المناطق العربية، لتُصبح أول امرأة أوروبية تعبر الصحراء العربية الشمالية، وكان هدفها شراء الأحصنة العربية الأصيلة وجلبها إلى مزارع إنجلترا، وسجلت مغامرتها في كتابين؛ هما "القبائل البدوية في الفرات" و"الحج إلى نجد"، كما أنها رسمت خريطة للطرق التي سلكتها في الصحراء العربية بين عامي 1878-1879، وأصبحت هذه الخريطة مرجعًا مهمًا للمهتمين بطبيعة الأرض العربية في تلك الحقبة.[٧]
  • جاستون ماسبيرو: من المعروف أن جاستون ماسبيرو هو أحد أبرز المستشرقين الفرنسيين الذين اهتموا بالحضارة المصرية القديمة، وفي الحقيقة فإن ماسبيرو هو الذي نظم متحف القاهرة ونشر الكثير من المؤلفات حول الحضارة الفرعونية ولغتها القديمة، وقد أظهر مهارة كبيرة في ترجمة الكثير من النصوص والآثار المصرية، وهذا الأمر مكّنه من الحصول على مقعد بروفسور علوم المصريات في الكلية الفرنسية عام 1874، وهو الذي كان على رأس حملة استكشافية نظمتها الحكومة الفرنسية عام 1880.[٨]


المراجع

  1. "Orientalism", Encyclopedia Britannica, Retrieved 27/1/2021. Edited.
  2. "Orientalism", New World Encyclopedia, Retrieved 27/1/2021. Edited.
  3. Nancy Demerdash, "Orientalism", Khan Academy, Retrieved 27/1/2021. Edited.
  4. Hande Tekdemir (10/2016), "Critical Approaches to Edward Said’s Orientalism", Uludag University Faculty of Arts and Sciences Journal of Social Sciences, Issue 18, Folder 32, Page 141-158. Edited.
  5. "James Prinsep", British Museum, Retrieved 27/1/2021. Edited.
  6. "Philby, Harry St. John", Encyclopedia, 14/2/2021, Retrieved 27/1/2021. Edited.
  7. Carlyn Osborn (31/3/2016), "Cartography through Exploration: Lady Anne Blunt in Northern Arabia", Library of congress, Retrieved 27/1/2021. Edited.
  8. "Maspero, Gaston C. C.", Dictionary of Art Historians, Retrieved 27/1/2021. Edited.

437 مشاهدة