حديث صحيح عن عذاب القبر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٥٦ ، ٣ سبتمبر ٢٠١٨
حديث صحيح عن عذاب القبر

عذاب القبر

كثُر في الآونة الأخيرة اللَّغَط حول قضية عذاب القبر، وظهر على الساحة الكثير من المتعالمين وأصحاب الانحرافات العقدية، فشككوا بما أخبرنا به النبي (صلى الله عليه وسلم) عمّا في القبر من عذاب ونعيم، ولو أنّ هذه الدعوى قديمة، إلا أنه ما كان لهؤلاء أن يظهروا هذا الظهور، وأن يُسمع صوتهم لولا وسائل التواصل الاجتماعية التي انتشرت مؤخرًا، التي جعلت من الطفل مُخضرمًا، ومن الجاهل عالمًا، وبات بعض المسلمين يتلَقَون دينهم من المجهولين، فكلٌّ يُدلي برأيه بلا خِطام ولا زِمام، وأمّا الإيمان بعذاب القبر وأحواله، فهو من الإيمان باليوم الآخر؛ قال النبي (صلى الله عليه وسلم) مُعرِّفًا بالإيمان: ((أن تُؤمِنَ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخِرِ، وتُؤمِنَ بالقدَرِ خَيرِه وشَرِّه) رواه مسلم، وقال (عليه الصلاة والسلام): ((إنَّ القَبرَ أوَّلُ مَنازِلِ الآخِرةِ، فإِنْ نَجَا مِنهُ، فمَا بَعدَه أيسرُ مِنهُ، وإنْ لَم يَنْجُ مِنهُ، فمَا بَعدَهُ أشَدُّ مِنهُ)) صحيح الجامع.


حديث صحيح عن عذاب القبر

ثبت عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) تقريره لعذاب القبر في مواضع عدة؛ من أشهرها وأكثرها تداولًا بين الناس، الحديث المتفق على صحته: "مرَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحائطٍ مِن حيطانِ المدينةِ، أو مكةَ، فسمِع صوتَ إنسانَينِ يُعَذَّبانِ في قُبرِيهما، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يُعَذَّبانِ وما يُعَذَّبانِ في كبيرٍ، ثم قال: بلَى، كان أحدُهما لا يَستَتِرُ من بوْلِه، وكان الآخَرُ يمشي بالنَّميمَةِ، ثم دعا بجريدة فكسرها كِسرتين، فوضع على كل قبر منهما كِسرة، فقيل له: يا رسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: "لعله أن يُخفف عنهما ما لم تَيبَسا. أو إلى أن يَيبَسا" متفق عليه.

وفي الحديث العديد من ما الفوائد نحاول التعريج على أبرزها:

  • ثبوت عذاب القبر.
  • عذاب القبر ليس محصورًا على الكفار والمنافقين؛ بل قد يُعذّب المسلم العاصي في قبره.
  • عذاب القبر من الممكن أن يُخفَّف على المسلمين الذين استحقوه.
  • النميمة بما فيها من إفساد وتفريق بين الناس، والاستهانة بقضية التنزّه من البول، مما يترتب عليه الصلاة بلا طهارة، من المعاصي التي تجلب استحقاق عذاب القبر على أصحابها.


الأدلة من السنّة على عذاب القبر

لا يقتصر إثبات عذاب القبر في السنة على هذا الحديث فحسب؛ فالأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) في إثبات عذاب القبر والتحذير منه، كثيرة العدد صريحة الدلالة؛ وهذا بعض منها:

  • أمرُ النبي (صلى الله عليه وسلم) بالاستعاذة من عذاب القبر، إذ قال: "تعوَّذوا باللهِ من عذابِ القبرِ" رواه مسلم، وكذا في قوله عليه الصلاة وسلام: "إذا تشهد أحدُكم فليستعذْ باللهِ من أربعٍ يقولُ: اللهم إني أعوذُ بك من عذابِ جهنمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن شرِّ فتنةِ المسيحِ الدجالِ" رواه مسلم.
  • تقرير النبيّ (صلى الله عليه وسلم) لعذاب القبر في مواضع عدة؛ منها ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها)، أنها قالت: "إنَّما مَرَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على يهوديَّةٍ يَبكي عليها أهلُهَا، فقال: إنَّهم يَبْكُونَ عليها، وإنَّها لتُعَذَّبُ في قَبْرِهَا" متفق عليه.
  • تحذير النبي (صلى الله عليه وسلم) من بعض المعاصي المؤديّة لعذاب القبر، إذ قال: "تنزَّهوا من البَولِ، فإنَّ عامَّةَ عذابِ القَبرِ من البولِ" صحيح الترغيب.

وما هذا إلا غيض من فيض، والمسلم الصادق الطالب للحق يكفيه دليل واحد، فما بالك والأدلة من السنة كثيرة تبلغ حد التواتر المعنوي.


الأدلة من القرآن على عذاب القبر

حاول أعداء العقيدة الصحيحة ويحاولون الدخول من هذا الباب لتشكيك المسلمين بعذاب القبر؛ حيث يدّعون دائبين أنّ عذاب القبر غير مذكور في القرآن العظيم، والرد على ذلك من وجهيين:

  • ثبوت الشرع يكون بورود نصٍّ عليه من الشارع الحكيم، سواءً كان ذلك في القرآن أو السنّة، وقد ثبت عذاب القبر في الكثير من النصوص الصحيحة المرفوعة إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم)؛ كما بينّا آنفًا، والقرآن وحيٌّ، والسنّة وحيٌّ، قال تعالى: "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ" سورة النجم.
  • ثبوت عذاب القبر في القرآن الكريم بالفعل، فقد ورد من الآيات الكريمات ما يُدل على ذلك؛ ومنه قوله تعالى: "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" سورة غافر، فقوله سبحانه ويوم تقوم الساعة...، يدل أنّ ما كان قبله إنّما هو في الحياة البرزخية، قال ابن كثير في تفسيره: "وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنّة على عذاب البرزخ في القبور".

إجماع المسلمين على عذاب القبر

من المعلوم أنّ الإجماع من مصادر التشريع الإسلامي، بعد القرآن والسنّة، وقد أجمع المسلمون على ثبوت عذاب قبر؛ فقد نقل غير واحد من أهل العلم المتقدمين إجماع العلماء على ذلك. وكما أنّ للقبر عذاب، ففيه من النعيم ما فيه، فالقبر إمّا أن يكون لصاحبه روضة يتنعّم بها من رياض الجنّة، أو حفرة يتعذّب بها من حفر النار، وهو كما تبيّن لنا الآن، ثابت في القرآن والسنّة وإجماع الأمّة.