أبحث عن شيء يؤنسني

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٢٢ ، ٢٦ يوليو ٢٠١٨
أبحث عن شيء يؤنسني

أبحث عن شيء يؤنسني هي عنوان قصيدة للشاعر فاروق جويدة وهو مصري الجنسية، وُلِد في محافظة كفر الشيخ وعاش طفولته في محافظة البحيرة، وقد درس الصحافة وتخرج في عام 1968، وبدأ حياته المهنية كمحرر للأخبار الاقتصادية في صحيفة الأهرام، ومنها انتقل إلى مهنة سكرتير لتحرير الأهرام، ومن ثم شغل وظيفة رئيس القسم الثقافي بالصحيفة.

يعتبر فاروق جويدة من الأصوات الشعرية الصادقة والمميزة في حركة الشعر العربي المعاصر، حيث نظم ألوانًا كثيرةً من الشعر ابتداءً بالقصيدة العامودية وانتهاءً بالمسرح الشعري. وقد ترجمت بعض قصائده إلى عدة لغات عالمية كالإنجليزية، الفرنسية، اليوغسلافية، والصينية. غنى أشعاره الكثير من المطربين من أبرزهم كاظم الساهر، حيث أخذ منه قصيدة بعنوان "لو أننا لم نفترق". وقدم للمكتبة العربية عشرين كتابًا من بينها ثلاثة عشرة مجموعةً شعريةً حملت تجربةً لها خصوصيتها، وقدم للمسرح ثلاث مسرحيات حققت نجاحًا كبيرًا وهي دمار على ستار الكعبة، الخديوي، والعاشق.

يجد القارئ في قصائده العديد من المعاني الجميلة التي تفيض بالأحاسيس الجياشة والمشاعر المعبرة، فهو شاعر متنوع يكتب في العديد من المجالات، فنجده ينظم قصائد الحب الحالمة النّاعمة إلى جانب القصيدة الوطنية الثّائرة، وقد برع في كليهما، حيث قال أحد الشعراء معلقًا على شعره: "إن فاروق جويدة يستيطع أن يذبح بخيوط من حرير". حيث يعتبر أسلوبه الشعري من السهولة والسلاسة التي تمكن المخضرم بالشعر والمبتدئ في قراءته على فهم ما يقصد، والبعض انتقده بأن شعره سطحي بينما رد عليهم فاروق جويدة بأن نجاح القصيدة تكمن في بساطتها، فإذا استطاع الشاعر أن يوصل مشاعره التي فرَّغها في أبيات من الشعر للمتلقي بمستوياته الثقافية المختلفة، هنا تكمن عبقرية الشاعر وليس سطحيته، ويقول جويدة لو أن التاريخ تذكر له ثلاث أو أربع قصائد فقط فهو إذن شاعر عظيم.

تعتبر قصيدة أبحث عن شيء يؤنسني من القصائد الوطنية التي تتطرق للوضع السياسي في مصر، حيث تناول فيها الأوضاع التي عصفت في البلاد من ثورات وحركات تحرر وقد وصفها بالجنون، وعبَّر عما يعتريه من اليأس والتشويش والنظرة المظلمة للمستقبل، حيث قال معلقًا على القصيدة: "جميعنا في حيرة من أمره، وقريبا ستنتهي الحيرة، جميعنا يبحث عن نقطة ضوء، ولكن القادم لن يكون مجرد نقطة ضوء، القادم نهار كامل بانتظار مصر وشعبها ننتظره منذ زمان طويل". وفيما يلي نص القصيدة:

في هذا الزمن المجنون

أبحث أحيانًا عن نفسي

كي أهرب من ظلمة يأسي

أمضي كالطيف فألقاها

تقترب قليلا ... أعرفها

يختلط العمر فلا أدري

هل أحيا يومي... أو أمسي

نتبادل كالغرباء تحية صبح .. نتناجى

تسقيني أسكر... ثم أدور... وأعطيها كأسي

تتسرَّب في قلبي، عقلي... وتغوص بحسي

يتصاعد صوتي حين أراها... ثم تغيب

فيطويني صمتي... كصراخ الخرس

نتلاشى في الأرض حيارى

فأراها موتي أحيانًا

وأراها في يوم... عرسي

ننشطر بعرض الكون

فنصبح ذرات كشعاع الشمس

نفترق ونمضي أغرابًا ببلاد الله

وتحملنا دوامة بؤس

نشتاق ليوم يجمعنا... لأعود لنفسي

في هذا الزمن المجنون

أبحث أحيانًا عن نفسي في باقة زهر

ألمحها ضوءًا يتهادى في طلعة بدر

تصرخ في ألم كالعصفور بلدغة قهر

فأرى الأيام على صدري كتلال الجمر

أبحث عن نفسي في الطرقات

وعند الباعة... خلف النهر

تسري أحيانا فوق الموج

وبين الأحياء الموتى كطيور الفجر

تتوارى نفسي في خجل كسنين العمر

فأدور... أدور أحاصرها

فأراها تسكن في العينين قصيدة شعر

في هذا الزمن المجنون

ما زلت أخاف من الأشياء

أبحث عن شيء يؤنسني

قلمي يتمرد في غضب

يصبح سجانًا يصفعني

دفتر أوراقي أحيانًا

يبدو سكينًا في عيني

والعمر الظالم أتبعه

والقدر الطائش يتبعني

نبضات القلب تعاندني

أحيانا تخفت... تهرب... تصمت

ثم تعود وتسألني:

أتريد حياتك بعد اليوم؟

هموم زمانك تؤلمني

ليتك في يوم تسمعني

في هذا الزمن المجنون

لا أفتح بابي للغرباء

لا أعرف أحدًا

فالباب الصّامت نقطة ضوء في عيني

أو ظلمة ليل... أو سجان

فالدنيا حولي أبواب

لكن السجن بلا قضبان

والخوف الحائر في العينين

يثور ويقتحم الجدران

والحلم مليك مطرود

لا جاه لديه... ولا سلطان

سجنوه زمانًا في قفص

سرقوا الأوسمة مع التيجان

وانتشروا مثل الفئران

أكلوا شطآن النهر...

وغاصوا في دم الأغصان

صلبوا أجنحة الطير...

وباعوا الموتى والأكفان

قطعوا أوردة العدل

ونصبوا سيركًا للطغيان

في هذا الزمن المجنون

إما أن تغدو دجالًا

أو تصبح بئرًا من أحزان

لا تفتح بابك للفئران

كي يبقى فيك الإنسان

في هذا الزمن المجنون

كثيرًا ما ألمح نفسي فوق الأوراق

فأراها تبكي خلف العين

وتصرخ حزنًا في الأحداق

وأراها في صدري حلمًا

يتكسَّر مني في الأعماق

قد كنت أراها حين أحب...

وحين أضيع... وحين أموت من الأشواق

قلبي عاندني من زمن

ما عاد يحب... ولا يشتاق

الناس تقول بأنّ الموت نهاية عمر

وأنا لا أخشى طعم الموت

ولا أخشى أشباح القبر

لكني أكره كالعصفور سجون القهر

أكره أن أغدو أمواجًا يشطرها الصخر

ما أجمل أن تبقى مطرًا

وسحابًا يسري فوق البحر

في الزمن المجنون

حين أطلُّ على عمري

لا يبقى شيء من نفسي غير التذكار

تتوارد بين العمر هموم العمر

وصرخة فجر يخنقها ليل جبار

فالعمر الجامح يتحدى كل الأسوار

يعبر آلاف الممنوعات

ويرفض أن يصبح دجالًا

أو لصًا في سوق التجار

نفسي أعرفها... إن سقطت

ستعود وتبني أجنحة

وتحلّق بين الأشجار

إن ماتت يومًا

سوف تحطم صمت القبر

وتهدم حولي كل جدار

إن ركعت قهرًا... لن ترضى

ستقوم وتهدر كالإعصار

إن خنقوا صوتي

سوف أغني فوق الريح

وتحت الماء... ولو قطعوا كل الأوتار

فالشمس إذا سقطت يومًا

ستعود وتنجب... ألف نهار.