شرح قصيدة رسالة من المنفى لمحمود درويش

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٥٥ ، ٢٧ أكتوبر ٢٠١٩
شرح قصيدة رسالة من المنفى لمحمود درويش

محمود درويش

يعدّ الشاعر محمود درويش من أشهر شعراء فلسطين، فقد ارتبط اسمه بها وصارت كلماته ملازمةً للثورة والوطن، ولد في قرية البروة الواقعة في الجليل الغربي (عكا) في فلسطين، في سنة 1942م، وقد ساهم محمود درويش في تطوير الشعر العربي الحديث بإدخال الرمزية المفرطة فيه، وكانت حياة محمود درويش متقلبة عامرة بالأحداث وقد ذاق مرَّ الاعتقال والمنافي كثيرًا، لذا جاءت قصيدته هذه كرسالة من المنفى البارد إلى القلوب الدافئة، ويُذكر أنَّ الشاعر محمود درويش توفي عام 2008 في مستشفى هيوستن في ولاية تكساس الأميركية، وقد لفظ أنفاسه الأخيرة في هذا المكان البعيد، لكنّه دُفن في فلسطين واحتضن ترابها جثّته وخلّدته كلماته إلى الأبد في قلوب النّاس وعقولهم، ومن أبرز مؤلفاته الشعرية: عصافير بلا أجنحة، عاشق من فلسطين، مطر ناعم في خريف بعيد، لماذا تركت الحصان وحيدًا، أنت منذ الآن غيرك، أثر الفراشة.[١]


شرح قصيدة رسالة من المنفى

يمكن أن نُجمل أهم الأفكار التي حملتها القصيدة فيما يلي: [٢][٣]

  • في قصيدة رسالة من المنفى، يُصوّر محمود درويش حياته ومعاناته اليومية في المنفى بعيدًا عن أهله ووطنه، فلا يوجد عنده شيء إلا رغيفًا يابسًا، ودفتر أشعاره، وهذا يدل على شدّة شوقه وحنينه لوطنه، فقد صوّر الشاعر نفسه كطائر جريح فقد ريشه، لذلك فهو لا يقوى على الطيران، وينتظر متأملًا أن ينبت الريش على جناحه حتى يُحلّق في سماء وطنه، وكذلك الشاعر يشعر بأنه غريب غير قادر على الحياة بعيدًا عن أهله ووطنه، فيستمرّ بكتابة الرسائل إلى أهله، ويخبرهم فيها بأحواله وصحته، لكنّه يعلم بعدم وجود بريد يحمل رسائله، ولهذا يلجأ الشاعر لتبليغ رسائله للعصافير الحرّة علّها توصل رسائله.
  • استخدم الشاعر محمود درويش في قصيدته عدّة تساؤلات تضع المتلقّي أمام مشهد درامي، تَمثّل في بطل تراجيدي قرر مواجهة مصيره وقدره ليترك مساحة للبوح لتصوير حياة عبثية في المنفى، ولم يجد الشاعر من يشاركه قسوة هذه الحياة إلا الأم التي بعمق مشاعرها وصدقها تختزل الوطن بأكمله.
  • تتراوح حياة الشاعر في المنفى ما بين اليأس والأمل، فيُشكّل الأمل شعلة قلقة في لحظات الظلام والحصار النفسي.
  • يُطلق الشاعر في القصيدة عدّة تساؤلات مشروعة في عالم يفتقر إلى الحسّ الإنساني، فلا يستطيع الشاعر تخيّل سيناريو محتمل لواقعه وحياته المستقبلية؛ فالوطن بعيد ولبعده يقلّ الأمل، ليظل هذا المهاجر بلا عَلَم وبلا وطن باحثًا عن قيمته في عهد اختلت فيه القيم، فيُعبّر محمود درويش في القصيدة عن رأيه ومشاعره فيرى بأن الغريب يموت مرتين؛ الموت الأول، وهو غريب في المنفى، لأن الوطن هو حياة الإنسان، وإذا سُلب الإنسان وطنه، فليس له قيمة بلا وطن، وأما الموت الثاني فهو الذي نعرفه.


الصور الجمالية و المحسنات البديعية في القصيدة

فيما يلي بعض المحسنات البديعية والصور الجمالية التي استخدمها محمود درويش في قصيدته:[٤]

  • أسلوب الاستفهام الدالّ على التردد والحيرة، في قوله: (من أين أبتدي؟ وأين انتهي؟).
  • الاستفهام الدالّ على الألم والتحسّر، في قوله: (هل يذكر المساء مهاجرًا مات بلا كفن؟).
  • قول الشاعر:(زوادةٌ فيها رغيفٌ يابس ) هي كناية عن الحياة الصعبة والفقر الذي يعاني منه الشاعر، كما أنها استعارة مكنيّة فقد شبّه الحالة التي يعيشها في المنفى بوعاء فيه الخبز اليابس.
  • قول الشاعر: (يفتح الآفاق للأشباح) فيها كناية عن الغربة والوحشة التي يعانيها الشاعر.
  • قول الشاعر: (يا أماه) بعد قوله (ماذا جنينا)، فهنا يعكس النداء حب الشاعر لأمته ولوطنه، وهذا الحب هو ما يعطيه الأمل في تغيير شامل لحال أمته.
  • في قول الشاعر: (الليل ذئب جائع)، شبّه الليل بالذئب الجائع، وهو تشبيه بليغ؛ يعكس فيه الشاعر تأثير الليل عليه، وما يختلج في نفسه من غربة ووحشة في المنفى ليلًا.
  • في قول الشاعر: (هل يذكر المساء) استعارة مكنية وتشخيص، فقد شخّص المساء وكأنه إنسان يستطيع أن يسترجع ويتذكر.
  • قول الشاعر: (سدّت طريق البر والبحار والآفاق ) فيه كناية انقطاع التواصل بينه وبين ووطنه.


الألم في قصيدة رسالة من المنفى

يغلب على قصائد محمود درويش بالمجمل أنها تجمع بين ألمين: الألم الأول ألم الذات ووحدتها في عالم يفتقر إلى الرحمة والشعور بقيمة الكلمة، والألم الثاني هو ألم الوطن الذي كان وما زال ينزف دمًا وقهرًا وحرمانًا وعُزلة، وفي قصيدة رسالة من المنفى انصهر الأَلَمان معًا واختزلا حياة محمود درويش في المنفى، كما تحوي القصيدة على دفَقات من المشاعر المختلفة، ونسمة حب دافئة أظهر من خلالها الشاعر المنفي آلآم عشقه وحنينه لأهله ووطنه، فبالرغم من تباعد المسافات؛ فقد تصاعد شوق الشاعر كلحنٍ حزينٍ خَيّم على أبيات القصيدة، وكذلك ابتدأ درويش قصيدته بوجع فلسفي ليترك للسؤال فرصة ليتسلّل إلى ثنايا القصيدة، فيجد القارئ نفسه في دوامة غامضة من الاسئلة المؤرقة، فقد يكون السؤال أحيانًا أعمق من الإجابة. [٢]


التَحليلُ النَّقدي لشِعرِ محمود درويش

قسَّمَ النَّاقد محمد فكري الجزار شِعر محمود درويش إلى ثلاث مراحل كما يلي: [٥]

  • المرحَلةُ الأُولى: وهي المرحلةُ التي تَواجَد فيها درويش في الوَطن، وشمَلت بدايات تكوينه، ووعييه، والانتماء للوطن في ظِلِّ الاحتِلال.
  • المرحَلةُ الثانِية: وهي مرحلةُ الوَعي الثَّوري والقومي؛ إذ امتَدَّت هذه المرحلة إلى سنة 1982م عند خروجه من بيروت، وفيها نُظّمت مشاعِرَه التي تكوّنت في المرحلة الأولى.
  • المرحَلةُ الثَّالِثَة: وهي مرحلة الحُلمِ الإنسانيّ، والوَعي المُمكِن.


مقطع من قصيدة رسالة من المنفى

فيما يلي مقطع من قصيدة محمود درويش رسالة من المنفى: [٦]

تحيةً ...وقبلة

وليس عندي ما أقول بعد

من أين أبتدي؟

وأين أنتهي؟

ودرة الزمان دون حد

وكلّ ما في غربتي

زوادة..

فيها رغيفٌ يابسٌ... ووجد

ودفترٌ يحمل عني بعض ما حملت

بصقت في صفحاته بعض ما ضاق بي من حقد

أقول للمذياع: قل لها أنا بخير

أقول لعصفورة:

إن صادفتها الطير

لا تنس وقل بخير

أنا بخير..

أنا بخير...

ما زال في عيني بصر

ما زال في السماء قمر

 

ماذا جنينا يا أماه

حتى نموت مرتين

فمرة نموت في الحياة

ومرة نموت عند الموت

هل تعلمين مال الذي يملؤني بكاء؟

إذا مرضت ليلةً

وهدّ جسمي الدَّاء

هل يذكر المساء

مهاجرًا أتى هنا ولم يعد إلى الوطن

بلا وطن

بلا علَم

ودونما عنوان

ما قيمة الإنسان؟!!...


المراجع

  1. "عامان على رحيل صاحب الحصان الوحيد"، khaberni، 2010-8-9، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-15. بتصرّف.
  2. ^ أ ب هشام ناجي (2015-8-12)، "الألم في قصيدة “رسالة من المنفى “لمحمود درويش"، thaqafat، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-15. بتصرّف.
  3. "الخصائص الفنية لمضامين شعر محمود درويش"، roc.kiau.ac، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-16. بتصرّف.
  4. "شرح وتحليل قصيدة رسالة من المنفى لمحمود درويش"، lahodod، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-16. بتصرّف.
  5. آلاء محمد مرزوق (2018-8-30)، "درويشٌ في حضرةِ الإبداع: مقتطفات من سيرة محمود درويش"، egyres، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-15. بتصرّف.
  6. "رسالة من المنفى"، adab، اطّلع عليه بتاريخ 2019-10-15. بتصرّف.