شرح قصيدة رسالة من المنفى لمحمود درويش

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٢٩ ، ٢٦ يوليو ٢٠١٨
شرح قصيدة رسالة من المنفى لمحمود درويش

روان رضوان

يعتبر الشاعر محمود درويش من أشهر شعراء فلسطين فقد ارتبط اسمه بها وصارت كلماته ملازمةً للثورة والوطن، إضافةً إلى ذلك فقد ساهم محمود درويش في تطوير الشعر العربي الحديث بإدخال الرمزية المفرطة فيه.

كانت حياة محمود درويش متقلبة عامرة بالأحداث وقد ذاق مرَّ الاعتقال والمنافي كثيرًا، لذا جاءت قصيدته هذه كرسالة من المنفى البارد إلى القلوب الدافئة.

مقطع من قصيدة رسالة من المنفى

تحيةً ...وقبلة

وليس عندي ما أقول بعد

من أين أبتدي؟

وأين أنتهي؟

ودرة الزمان دون حد

وكلّ ما في غربتي

زوادة..

فيها رغيفٌ يابسٌ... ووجد

ودفترٌ يحمل عني بعض ما حملت

بصقت في صفحاته بعض ما ضاق بي من حقد

أقول للمذياع: قل لها أنا بخير

أقول للعصفورة:

إن صادفتها الطير

لا تنس وقل بخير

أنا بخير..

أنا بخير...

ما زال في عيني بصر

ما زال في السماء قمر

 

ماذا جنينا يا أماه

حتى نموت مرتين

فمرة نموت في الحياة

ومرة نموت عند الموت

هل تعلمين مال الذي يملؤني بكاء؟

إذا مرضت ليلةً

وهدّ جسمي الدَّاء

هل يذكر المساء

مهاجرًا أتى هنا ولم يعد إلى الوطن

بلا وطن

بلا علَم

ودونما عنوان

ما قيمة الإنسان؟!!...

شرح قصيدة رسالة من المنفى

نستطيع تقسيم قصيدة رسالة من المنفى إلى ثلاثة أقسام:

  • يخاطب الشاعر في القسم الأول وطنه موجهًا رسالة عتابٍ وقد اتضحت الحيرة عليه من كلماته وأسلوب السؤال الذي اتَّبعه ليبدأ القصيدة "من أين أبتدي؟ وأين أنتهي؟" وسبب حيرته هو إحساسه بالغربة فيبين لنا متألمّا العذابات التي يعانيها المهاجر عن وطنه فهو يغصّ بالطعام والشراب ويكاد يقتله الحنين، يحملُ دفتر ذكرياته أينما راح ويبثُّ شكواه إليه فتنساب الكلمات لتخفف بعضًا من همومه الكثيرة، لكنَّ ذلك لا يغير من حاله شيئًا، فهو يفتقر يدًا تربّت على كتفه وتواسيه، شعورٌ طاغٍ بالوحدة يخيّم هنا على جوّ القصيدة فالشاعر وحيد لا أحد معه ولا يستطيع تقاسم حنينه إلى الوطن مع أحد ليبدأ هاجس الشعور باليأس يتسلل إليه ويفقد الأمل فهو كالطّائر الضعيف الجريح كلاهما مكبَّلٌ، ومقيَّد الحرية ولا يستطيع الطيران إلى وطنه.
  • يخاطب الشاعر وطنه وقد رمز له بصورة الأم أو ربَّما كان هذا النداء موجهًا للأمِّ بحدِّ ذاتها فهي أكثر من يتمزَّق قلبه حزنًا على فراق أولادها عندما تأكلهم الغربة وتأخذهم المنافي الكثيرة، ثم يشبّه الشاعر الليل بالذئب الجائع ووجه الشبه بينهما هنا القسوة، فالليل يطارد الغريب المهاجر وينهش دمعه وذكرياته وروحه تمامًا كالذئب.

يتسائل الشاعر هنا عن سبب نفيه وإبعاده عن وطنه فما الجريمة التي اقترفها ليتلقّى هذا العذاب بالموت، ففي كلّ ليلة يقضيها في المنفى فهو ميّتٌ بجسد حي لا يشعر بطعم الحياة ولا يستطيع عيشها كالأحياء تمامًا، ثمَّ يقفز السؤال لينشر الحزن بين الكلمات: "هل تعلمين ما الذي يملؤني بكاء؟" وهنا يحاول الشاعر شرح سبب أحزانه بتفصيلٍ صغير لكنّه مهم فهو حتى إن مرض وأكله الدّاء لن يجد من يجلس إلى جواره يخفّف عنه ويطببه.

  • يستفهم الشاعر في نهاية القصيدة وغرض الاستفهام هو النفي فيقول "هل يذكر المساء مهاجرًا مات بلا كفن؟" ويبين هنا وعي الشاعر بالغربة وفقده الأمل من الرجوع إلى وطنه وإحساسه بأنّه سيموت في المنافي الباردة فتأتي الكلمات قاسية تشرح لنا كيف تُعامل جثّة المهاجر فمهما كان فهو لن يدفن في وطنه وربّما لن يجد ما يكفّنه ويدفنه فترمى جثته في واحدةٍ من الغابات، ثمَّ يعود الشاعر ليخاطب نفسه فأيّ بريدٍ سيحمل رسائله هذه وقد انقطعت كلّ السبل بينه وبين العودة ولا يعرف ما إذا كان أهله أمّه ووالده وإخوته أحياء أو أموات أو أنّهم أصبحوا مثله بلا عنوان ولا وطن...

يُذكر أنَّ الشاعر محمود درويش توفي عام 2008 في مستشفىً بعيد في إحدى المنافي الباردة التي تأكل الأوطان لكنّه دُفن في فلسطين واحتضن ترابها جثّته وخلّدته كلماته إلى الأبد في قلوب النّاس وعقولهم..