أسباب الغزو الثقافي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:١٨ ، ٣ ديسمبر ٢٠١٩
أسباب الغزو الثقافي

الغزو الثقافي

الغزو الثقافي هو عملية اتصال وتبادل ثقافي يتبنى من خلاله شخص أو مجموعة أشخاص قيم وممارسات معينة تخص ثقافة أخرى غير ثقافته الأصلية، ونتيجة لهذه العملية تبقى ثقافته قائمة ولكن يطرأ عليها بعض التغيرات أو تُطمس بالكامل، ويمكن تعريف الغزو الثقافي بأنه عمليات التغيير في العادات والتقاليد والمعتقدات الناجمة عن اتصال ثقافتين أو أكثر ببعضهم البعض، كما يستخدم مصطلح الغزو الثقافي للإشارة إلى نتائج هذه التغيرات أيضًا، ويوجد نوعان أساسيان للغزو الثقافي؛ الإندماج والتغيير المباشر، يمكن التمييز بينهم على أساس الشروط التي يكون بموجبها الاتصال الثقافي والتغيير، فعندما تكون العملية في أقصى حالتها يحدث الاندماج، إذ يُتخلى عن الثقافة الأصلية تمامًا وتُبني الثقافة الجديدة بدلًا عنها.[١][٢]


أسباب الغزو الثقافي

يحدث الغزو الثقافي غالبًا في المجتمعات التي تحتوي أغلبية ثقافية وأقلية، فتتبنى الجماعات الأقلية في المجتمع ثقافة الجماعة الغالبة، ومن الممكن أن يتبنى أفراد ثقافة الأغلبية بعض الأجزاء من ثقافة الأقليات الموجودة في المجتمع، ومثال ذلك هجرة الأشخاص من موطنهم الأصلي إلى موطن آخر أو لجوء بعض الجماعات لبلدان أخرى نتيجة الحروب أو الكوارث التي حصلت في بلدهم، فيضطر هؤلاء إلى أن يتبنوا بعض الخصائص الثقافية الخاصة بالمجتمع الجديد، ويمكن أن يحدث ذلك على المستوى الفردي نتيجة الاتصال الشخصي أو التأثر بالثقافات الأخرى من خلال الأدب والفن والأفلام.[١]

وعلى مستوى المجموعة يمكن النظر إلى عملية الغزو الثقافي على أنها إدخال هائل لخصائص ثقافة أخرى ودمجها كجزء من ثقافة الفرد، وعادة ما تحدث هذه العملية عندما يُنظر للثقافة الأخرى بأنها أكثر تقدمًا وتطورًا من الناحية التكنولوجية أو أي من النواحي الأخرى من الثقافة الأصلية، وفي حالات التواصل المستمرة تتبادل الثقافات الأطعمة والموسيقى والرقصات والملابس والأدوات والتقنيات وكل الموروثات الشعبية الخاصة بهذه الثقافة مع الثقافات والجماعات الأخرى، ومن أسباب الغزو الثقافي استعمار بلد لبلد آخر أو احتلالها، وجلب ثقافة البلد المُستعمِرة لتحل محل ثقافة البلد الأصلية.[٣]

وأحيانًا يكون للغزو الثقافي تأثير ضار ومهلك لثقافة الفرد، وهذا هو حال العديد من الشعوب الأصليين، مثل الأمم الأولى في كندا، والأمريكيين الأصليين في الولايات المتحدة، والسكان الأصليين التايوانيين، والسكان الأصليين في إسبانيا الذين فقدوا تقريبًا ثقافتهم ومعتقداتهم وتقاليدهم بالكامل، واختفاء اللغة هو أوضح مثال على ذلك، فقد استبدلوها بالثقافة المهيمنة الجديدة، ومثل هذه الحالات الضارة تكون قد استخدمت فيها استراتيجية الاندماج والاستيعاب، مما يؤدي إلى فقدان العديد أو جميع خصائص الثقافة الأصلية.[٣]


الغزو الثقافي عبر التاريخ

أول من استخدم مصطلح الغزو الثقافي في علم الاجتماع هو جون ويسلي في أول تقرير للمكتب الأمريكي للانثولوجيا عام 1880، كما عرّف بالغزو الثقافي بأنه التغييرات النفسية التي تحدث داخل الشخص بسبب التبادل الثقافي الحادث نتيجة الاتصال الممتد بين الثقافات المختلفة، ولاحظ أنه بينما يتبادل شخصان العناصر الثقافية، يصبح لدى كل منهما ثقافته الفريدة، وفي بداية القرن العشرين أصبح الغزو الثقافي بؤرة اهتمام لعلماء الاجتماع الأمريكيين، فاستخدموا الإثنوغرافيا لدراسة حياة المهاجرين ومدى اندماجهم مع المجتمع الأمريكي، إذ فحص ويليام توماس وفلوريان زانيكي هذه العملية مع المهاجرين البولنديين في شيكاغو بدراستهم التي عُرفت باسم "الفلاح البولندي في أوروبا وأمريكا" عام 1918، كما ركز آخرون في أبحاثهم على نتائج هذه العملية المعروفة بالغزو الثقافي، بينما اهتم علماء الاجتماع الأوائل بدراسة عملية الغزو الثقافي التي عاشها المهاجرون والأمريكيون السود في مجتمع يغلب عليه البيض، فإن علماء الاجتماع في العصر الحالي مهتمون أكثر بالعملية التبادلية للطرفين التي تحدث خلال عملية الغزو الثقافي.[١]


استراتيجيات الغزو الثقافي

يتخذ الغزو الثقافي أو التثاقف أشكالًا مختلفة ويؤدي إلى نتائج مختلفة اعتمادًا على الاستراتيجية المتبعة التي يتبناها الأشخاص المشاركون في عملية التبادل الثقافي، ويكون ذلك بمدى ارتباط الفرد أو الجماعة بثقافتهم الأصلية ومدى أهمية إنشاء روابط وعلاقات مع أفراد المجتمع الآخر، وتختلف أنواع الغزو الثقافي باختلاف الثقافة المضيفة وثقافة المهاجرين الأصلية، فعلى سبيل المثال يختلف المهاجر من منطقة ريفية إلى منطقة ريفية أخرى عن ذلك الذي يهاجر إلى مدينة حضرية، لذلك غالبًا ما يختار المهاجرون واحدة من الاستراتيجيات المتعلقة بالغزو الثقافي، نذكر منها:[١]

  • تحويل الثقافة وصيانتها: يستخدم هذه الاستراتيجية أولئك الذين يولون اهتمامًا بثقافتهم ويريدون الحفاظ عليها مع رغبتهم بتبني الثقافة الجديدة، وتكون باختيار الخصائص المهمة في الثقافة الأصلية والحفاظ عليها وتبني خصائص الثقافة الجديدة، ولكن بدلًا من دمج ثقافتين مختلفتين في حياتهم اليومية، فإنهم يخلفون ثقافة ثالثة تجمع بين الثقافتين الأولى والجديدة بمزيج جديد.
  • المشاركة الثقافية: وتحدد فيما إذا اختار المهاجر أن يشارك ويبادل ثقافته مع أفراد البلد المضيف أو تركها لنفسه.
  • الاستيعاب: أو الاندماج في الثقافة الجديدة وطمس الثقافة الأصلية تمامًا، وتستخدم هذه الاستراتيجية في حال عدم الاهتمام بالثقافة الأصلية وعدم الحفاظ عليها، وإيلاء أهمية كبرى لتنمية وتطوير العلاقات مع الثقافة الجديدة، وفي نهاية المطاف ينتج عن هذه الاستراتيجية أشخاص أو مجموعة مماثلة لأفراد الثقافة الجديدة ولا يمكن التمييز بينهم، وهذا النوع من الغزو الثقافي يمكن أن يحدث في المجتمعات القابلة للذوبان، فيُمتص من أفرادها أعضاء جدد للثقافة الأخرى وتختفي الثقافة القديمة.
  • الانفصال: تستخدم هذه الاستراتيجية في حال الاهتمام الشديد بخصائص الثقافة الأصلية والحفاظ عليها جيدًا ورفض الثقافة الجديدة وعدم التركيز عليها، والنتيجة هي بقاء الثقافة الأصلية كما هي وعدم تبني الثقافة الجديدة، وفي الأرجح يحدث هذا الشكل من الغزو الثقافي في المجتمعات التي تعاني من التمييز العنصري أو العرقي.
  • التهميش: تستخدم هذه الاستراتيجية من قبل الأفراد الذين لا يهتمون بالحفاظ على ثقافتهم بحدّ ذاتها ولا يفكرون باعتماد ثقافة جديدة، ونتيجة لذلك يُهمش هذا الفرد أو الجماعة خارج إطار المجتمع فيصبحون منبوذين ومهملين من قبل بقية المجتمع، ويمكن أن يحدث هذا في المجتمعات التي يُمارس فيها الاستبعاد الثقافي، مما يجعل من الصعب إندماج شخص مختلف ثقافيًا بهذا المجتمع الجديد، ومثال ذلك فصل المهاجرين عن ثقافة البلد المضيف.[٤]


المراجع

  1. ^ أ ب ت ث Nicki Lisa Cole (8-11-2019), "Understanding Acculturation and Why It Happens"، thoughtco, Retrieved 30-11-2019. Edited.
  2. "Acculturation", britannica, Retrieved 30-11-2019.
  3. ^ أ ب "Acculturation", newworldencyclopedia, Retrieved 30-11-2019. Edited.
  4. "Acculturation, Development, and Adaptation", aacap, Retrieved 3-12-2019. Edited.