في الموسيقى دواء

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٤٥ ، ١٨ نوفمبر ٢٠١٩
في الموسيقى دواء

الموسيقى

أصاب فريدريك نيتشه الفيلسوف الألماني حين قال أنّ الحياة دون موسيقى ستكون مجرّد غلطة وقد أيّده في هذا الرّأي علماء النّفس، وعلماء الإنثروبولجيا، وعلماء الموسيقى، وحتى أطبّاء الأعصاب، وما أخطأ فيثاغورس في القرن الخامس قبل الميلاد حين صرّح أنّ الموسيقى منظومة تنجذب لها النّجوم بالتّناغم فما بينها، وعدّل عليها البحث العلمي الحديث من المنظور التطوّري والبيولوجي أنّ الموسيقى تضبط موازين الانسجام والتّناغم بين بني البشر، إذ تدخل الموسيقى في تنشئة الرّوابط الاجتماعيّة بين الأفراد، وهو ما يظهر جليًّا من الهمهة التي تصدرها الأم لتهدئة طفلها أو لجعله يغفو، إذ يوجد توافق بالإجماع على أنّ الموسيقى بدائيّة وقد تكون سبقت الكلام، واستدلّ العلماء على ذلك من المزاميز العظميّة التي اكتشفت في كهف في ألمانيا، وطقوس الرّقص المتزامنة مع صيحات منتظمة وقرع الطّبول للإنسان الأول التي يؤدّيها قبل المعركة أو عمليّات الصّيد.[١]

أمّا العلم الحديث فقد توصّل إلى أنّ الموسيقى تعكس ذوق الفرد، وتؤثّر على دماغه تمامًا تأثيرًا مشابهًا لتأثير العقاقير، أو الطّعام، أو الجنس، وهو ما تطرّق إليه عالم الأعصاب دانييل ليفيتين بأنّ الموسيقى تحفّز الفص الجبهي في المخيخ على زيادة إنتاج الدّوبامين وهو الهرمون المسؤول عن رفع المعنويّات والشّعور بالسّعادة والسّرور، إلى جانب تأثير الموسيقى على تطوّر الأطفال السّمعي وعلى التّوازن الحركي، ولكن الدّور الأكثر غرابة وغموضًا للموسيقى هو استخدامها كوسيلة للعلاج من بعض الأمراض، وهو ما أثبته عالم الأعصاب البريطاني أوليفر ساكس في الكثير من كتبه وهو أنّ الموسيقى كان لها دورًا كبيرًا في تحسّن وضع المرضى الذي يعانون من مرض باركنسون الرعّاش، أو مرض الزّهايمر، وهو ما يؤكّد فعاليّة الموسيقى في العلاج وإمكانيّة استخدامها كدواء للغلّب على بعض الأمراض.[١]


في الموسيقى دواء

ترتبط الموسيقى ارتباطًا وثيقًا ومتناغمًا مع الجسم والدّماغ، وهو ما أكّدته باربارا إلس المستشارة في الرّابطة الأمريكيّة للعلاج بالموسيقى، إذ قالت أن لحن وإيقاع الموسيقى يؤثّر تأثيرًا مباشرًا على فسيولوجيّة الجسم، ووظائف الأعضاء، وهي سر من أسرار الوجود، لذلك كان الاتّجاه الحديث نحو استخدام الموسيقى في شفاء أو على الأقل تحسين حالات مرضيّة كثيرة، وفيما يلي توضيح أكثر:[٢][٣]

  • الموسيقى الهادئة تقلّل مستويات التوتّر من خلال تثبيط إنتاج هرمون الكورتيزول المسؤول عن الشّعور بالتّوتر، وتحفيز إنتاج الهرمونات المضادّة له التي تعكس تأثير الإجهاد الكيميائيّ، وتحفيز الدّماغ على التحكّم في معدّل ضربات القلب واتّزانها، وتوازن ضغط الدّم وحرارة الجسم، وعمق التنفّس من خلال زيادة ضخ هرموني السّعادة السّيروتونين والإندروفين في الدّم.
  • الموسيقى تنشّط الذّاكرة وخاصّةً طويلة الأمد من خلال تحفيز المناطق المتحكّمة في تخزين الذّكريات، لذا استخدمها الأطبّاء في حالات مبكّرة من الزّهايمر والخرف.
  • الموسيقى تقلّل من الشّعور بالألم، إذ أثبتت دراسة أُجريت في جامعة برونيل في المملكة المتّحدة أنّ الموسيقى تقلّل من الشّعور بالألم والقلق لدى المرضى الذين أجريت لهم عمليّات جراحيّة، وقد لاحظوا أنّ هؤلاء المرضى احتاجوا إلى عقاقير مسكّنة للآلام أقل من أولئك الذين لم يستمعوا للموسيقى من نفس حالتهم، وفي دراسة أخرى أجريت في الدّنمارك عام 2014 أنّ الموسيقى علاج فعّال لتخفيف أعراض الفيبروميالغيا وهو اضطراب ينتج عنه آلام المفاصل والعظام، والشّعور بالتّعب والإعياء، وقد أرجعوا هذا الأمر إلى قدرة الموسيقى على تحفيز الدّماغ على إنتاج المواد الأفيونيّة التي تحاكي مسكّنات الألم الدّوائيّة.
  • الموسيقى لها تأثير شافٍ للتّعافي من السّكتات الدّماغيّة، فقد لاحظ أطباء أجروا دراسة على مرضى مصابين بالسّكتة الدّماغيّة أنّ قدرتهم على التّشافي اللّفظي واستعادة القدرة على الكلام، واستعادة الذّاكرة كانت أكبر من أولئك الذين استمعوا لقصص سمعيّة، أو أولئك الذين لم يسمعوا الموسيقى أو يُقرأ لهم.
  • الموسيقى تخفّف من حدّة نوبات الصّرع، وتباعد الفترة الزّمنيّة لحدوثها، وهو ما لاحظته كريستين شاريتون أحد القائمين على الدّراسة التي أُجريت على مرضى الصّرع في مركز ويكسنر الطبّي بجامعة أوهايو أنّ دماغ المرضى المصابين بالصّرع الذين استمعوا للموسيقى أبدى استجابة متناغمة للموسيقى.
  • الموسيقى تخفّف من نوبة آلام الشّقيقة وصداع التوتّر.
  • الموسيقى تحفّز الدّماغ على زيادة إفراز هرمون الدّوبامين المسؤول عن تحسين الحالة المزاجيّة، والتخلّص من الإحباط والاكتئاب.
  • الموسيقى تعزّز قوّة تحمّل الجسد للأعباء والمجهود البدني، لذلك ترافق الموسيقى ممارسة التمارين الرياضيّة بهدف خسارة الوزن.


أضرار الموسيقى الصّاخبة

لا تعد أنواع الموسيقى كلها علاجًا للرّوح والجسد، والمقصود في هذا المقال الموسيقى الهادئة ذات التّكوين الرّتيب المتناغم، أمّا الموسيقى الصّاخبة لها تأثيرات سلبيّة على أعصاب الدّماغ، ويمكن أن تُلحق بها بعض الأضرار ويمكن أن تسبّب الإصابة بمرض التصلّب المتعدّد على المدى البعيد، هذا بالإضافة إلى التّأثير على حاسّة السّمع والتقليل من حدّتها، ويمكن أن تسبّب فقدان السّمع المؤقّت أو الدّائم، أو التّسبّب بحدوث طنين الأذن.[٤] كما تؤثّر الموسيقى الصّاخبة على نسق القيادة، وتتسبّب في ارتباك التّجاوزات المروريّة، والتّهوّر في القيادة من حيث السّرعة والعدائيّة، وزيادة احتماليّة تشتّت السّائق والتأثير على وعيه بمحيطه لا سيما عندما يكون الطّريق جديدًا على السّائق وغير مألوف.[٥]


موسيقيون بارزون

يزخر عالم الموسيقى بأعلام بارزة تركت بصمتها فيه حتى يومنا هذا، وكان لهم أثر عظيم في رفد البشريّة بمقطوعات موسيقيّة غاية في الرّوعة، نذكر منهم:

  • بيتهوفن: ملحّن ألماني الجنسيّة ولد عام 1770، وتوفّي عام 1802 عن عمر يناهز السّادسة والخمسين، وتميّز بيتهوفين بالعبقريّة في تأليف الألحان الموسيقيّة، إذ قدّم أولى معزوفاته الكلاسيكيّة وهو في سن 12، واشتهر بتلحينه مقطوعة موسيقيّة بعنوان كانتاتا تخليدًا لذكرى وفاة الإمبراطور جوزيف الثّاني، وبعدها اجتهد في دراسة الموسيقى حتى اكتسب شهرة واسعة كعازف بيانو شاب واعد وموهوب في الارتجال، وعزف في حفلات حضرها كبار موظّفي الدّولة من الطّبقة الأرستقراطيّة الذين تبنّوا موهبته وقدّموا له الدّعم والتّمويل المادّي، وبعدها ذاع صيته وأنتج العديد من المقطوعات الموسيقيّة، وعلى الرّغم من شهرته الموسيقيّة إلاّ أنّه كان وحيدًا وبائسًا طوال حياته، ولم يتزوّج ومن الجدير بالذّكر هنا أنّ أغلب أعماله الخالدة ألّفها وهو يعاني من ضعف السّمع الذي انتهى بالصّمم، وهي الحقيقة التي حاول إخفاءها كثيرًا.[٦]
  • موزارت: ولد عام 1756 في النّمسا، وتوفّي عام 1791 في فيينا، ويعد أحد أبرع الملحّنين للمقطوعات الموسيقيّة الكلاسيكيّة، وأثبت عبقريّته الموسيقيّة منذ صغره، فقد كان يلعب على القيثارة بمهارة في عمر الثّالثة، وعندما بلغ الخامسة ألّف أوّل مقطوعة مسيقيّة، وفي سن السّادسة انتقل به والده إلى ميونيخ للمشاركة في الحفلات الموسيقيّة التي تقام للنبلاء وكبار شخصيّات الدّولة، وببلوغه سن 13 كان قد أتقن لغة الموسيقى تمامًا، واستطاع تّطويرها، وأثراها، وعلى الرّغم من سنواته الـ 35 التي عاشها، إلاّ أنّه قدّم العديد من السيمفونيّات والمقطوعات الموسيقيّة الخالدة حتى عصرنا.[٧]
  • هايدن: ولد عام 1732 في النّمسا وتوفّي أثناء نومه في عام 1809، ويعد واحدًا من أشهر الملّحنين الموسيقيّين للسمفونيّات الكلاسيكيّة، إذ يبلغ إجمالي أعماله 107 سمفونيّة، و 26 أوبرا، والكثير من الأعمال الفنيّة الأخرى، وبدأت موهبته في سن مبكّرة؛ ففي سن الخامسة انضم إلى جوقة كاتدرائيّة سانت ستيفن للغناء من ضمن أفرادها، وفي سن 16 وجّهت له الإمبراطورة مايا تيريزا انتقادًا شهيرًا مفاده أنّه لا يغنّي إنّما يصرخ ما سبّب مغادرته للجوقة الموسيقيّة في الكاتدرائيّة، وبدخول السّبعينات من القرن التّاسع عشر تميّز هايدن بجرأة موسيقاه المستوحاة من الانفعالات العاطفيّة، وبعدها ذاع صيته كملحّن في جميع أنحاء النّمسا، ومنها إلى إنجلترا حيث بدأ مسيرة الشّهرة.[٨]


المراجع

  1. ^ أ ب "What is the Purpose of Music?", bbvaopenmind, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  2. "The power of music: how it can benefit health", medicalnewstoday, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  3. "9 Health Benefits of Music", northshore, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  4. "Loud music damages the nerves in the brain", hear-it, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  5. "Can Loud Music Affect Driving Performance?", injury.research.chop, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  6. "Ludwig van Beethoven Biography", biography, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  7. "Wolfgang Amadeus Mozart", britannica, Retrieved 2019-11-14. Edited.
  8. "Haydn", classicfm, Retrieved 2019-11-14. Edited.