فوائد الاستغفار لابن القيم

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٤ ، ٢٣ يناير ٢٠٢٠
فوائد الاستغفار لابن القيم

الاستغفار

يُعرّف الاستغفار بأنه طلبٌ للمغفرة، وتدل السين والتاء في اللغة العربية على الطلب بعمومه، فعندما يقول العبد: أستغفر الله، أي أنه يطلب من الله تعالى المغفرة، كما في القول: أستعين بالله، أي أطلب منه جل وعلا العون، وقد ورد الاستغفار في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن، واحتمل فيها شكلين: إما طلبًا للمغفرة وللتوبة على أمرٍ يستدعي ذلك مثل ارتكاب مخالفةٍ شرعية، أو بعد آداء الطاعة وعلى كل حالٍ نمرُ به، وقد قال تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ...}[١]، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}[٢]. وكان عليه أفضل الصلاة والسلام يكثر من الاستغفار، فكان يستغفر عقب كل صلاة، وقد روي عنه أنه كان يستغفر أكثر من 70 مرةً في المجلس الواحد، قال صلى الله عليه وسلم: [من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب][٣][٤]


فوائد الاستغفار لابن القيّم

للاستغفار فوائد عظيمة كما جاء في كتاب الله وعلى لسان نبيه الكريم، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله مجموعةً من هذه الفوائد والثمار، وفيما يلي ذكرها:[٥]

  • فيها اتّباع للقرآن والسنة: جاءت النصوص الشرعية للحثِّ على الاستغفار والاقتداء بأفعال الأنبياء والرسل، ومن هذا فقد كانوا عليهم الصلاة والسلام يُكثِرون من الاستغفار والتوبة.
  • حسن المتاع في الدنيا، وإيتاء كل الفضل لأصحابه : قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}[٦].
  • نزول المطر والشعور بالقوة: قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}[٧]، وقال البغوي رحمه الله عند تفسير هذه الآية أن الله تعالى يرسل الأمطار تتابعًا حسب الحاجة، ويزيدهم قوةً فوق قوتهم.
  • إجابة الدعاء : قال تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ}[٨].
  • المستغفر تشمله رحمة الله وودّه: قال تعالى على لسان نبيه شعيب: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}[٩].
  • تجلب نِعَمَ الله وتُبعِد المصائب: قال تعالى على لسان نبيه نوح: {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}[١٠].
  • دفع العقوبات عن المذنب: قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[١١].
  • سبب لهلاك الشياطين: قل الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه مفتاح دار السعادة (1/158): "أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبـلا إله إلا الله، فلمَّا رأيتُ ذلك بثَثْت فيهم الأهواء، فهم يُذنِبون ولا يتوبون؛ لأنَّهم يحسَبُون أنهم يُحسِنون صنعًا".
  • سبب رئيسي في حلّ المشاكل : فقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "وشَهِدتُ شيخَ الإسلام ابنَ تيميَّة -رحمه الله- إذا أعيَته المسائل واستعصَتْ عليه، فَرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستعانة بالله واللجوء إليه، واستِنزال الصوابِ من عنده، والاستفتاح من خَزائن رحمته، فقلَّما يلبَثُ المددُ الإلهي أنْ يَتتابَع عليه مَدًّا، وتَزدلِف الفتوحات الإلهيَّة إليه، بأيَّتهنَّ يبدأ".
  • سببٌ رئيسيٌ لانشراح الصدر: فقد روى الأغر المزني أبو مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إنَّه لَيُغَانُ علَى قَلْبِي، وإنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، في اليَومِ مِئَةَ مَرَّةٍ][١٢]، وقد روى ابن عباس عن النبي أنه قال: [منْ أكثرَ منَ الاستغفارِ، جعلَ اللهُ لهُ منْ كلِّ همِّ فرجًا، ومنْ كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ورزقَهُ منْ حيثِ لا يحتسبْ][١٣].
  • دواء الذنوب : فقد قال الإمام البيهقي في كتاب شُعَبُ الإيمان عن سلام بن مسكين أنه قال: سمعت قتادة يقول: "إنَّ هذا القُرآن يدلُّكم على دائكم ودوائكم، فأمَّا داؤكم: فالذُّنوب، وأمَّا دواؤكم: فالاستغفار".


سيد الاستغفار

للاستغفار مجموعة من الصيغ المأثورة للنطق بها، وهو ما استدل عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن تَبِعَهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن للاستغفار صيغة وردت عن رسول الله سمّيت بسيد الاستغفار، فعن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: [سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ"، قَالَ: "وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ][١٤][١٥].


أوقات الاستغفار

يُعد الاستغفار أمرًا مشروعًا في كل وقت وحين، بالإضافة إلى وجود أوقات معيّنة يكون فيها أجر الاستغفار أعظم وأكبر، وفيما يأتي ذكرها:[١٦]

  • عقب الانتهاء من آداء العبادات : ويكون ذلك تكفيرًا عما وقع من أخطاء وسهوات وتقصير أثناء تأدية العبادات، قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[١٧].
  • الاستغفار بالأسحار : أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده المستغفرين له في هذا الوقت المبارك، فقد قال الله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار}[١٨].
  • عند خِتام المجالس : ويكون ذلك عقب الانتهاء من حديث المجلس وحضور وقت الانصراف، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: [ما كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يقومُ من مَجلِسٍ إلَّا قالَ: سبحانَكَ اللَّهمَّ ربِّي وبحمدِكَ، لا إلَهَ إلَّا أنتَ أستَغفرُكَ وأتوبُ إليك، فقُلتُ لَهُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أَكْثرَ ما تقولُ هؤلاءِ الكلِماتِ إذا قُمتَ؟ قالَ: لا يقولُهُنَّ مِن أحدٍ حينَ يقومُ من مَجلسِهِ إلَّا غُفرَ لَهُ ما كانَ منهُ في ذلِكَ المَجلسِ][١٩].
  • الاستغفار للأموات : [كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، إذا فرغَ مِن دفنِ الميِّتِ وقفَ علَيهِ، فقالَ: استغفِروا لأخيكُم، وسَلوا لَهُ التَّثبيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسأَلُ][٢٠].


المراجع

  1. سورة هود، آية: 52.
  2. سورة النصر، آية: 3.
  3. رواه ابن باز، في مجموع فتاوى ابن باز، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 210/11، صحيح.
  4. "الاستغفار...معناه وثمراته"، islamweb، 20-11-2002، اطّلع عليه بتاريخ 22-1-2020. بتصرّف.
  5. عبده قايد الذريبي، "فوائد وثمرات الاستغفار"، saaid، اطّلع عليه بتاريخ 22-1-2020. بتصرّف.
  6. سورة هود، آية: 3.
  7. سورة هود، آية: 52.
  8. سورة هود، آية: 61.
  9. سورة هود، آية: 90.
  10. سورة نوح، آية: 9-12.
  11. سورة الأنفال، آية: 33.
  12. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن الأغر المزني أبو مالك، الصفحة أو الرقم: 2702، صحيح.
  13. رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 8489، صحيح.
  14. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن شداد بن أوس، الصفحة أو الرقم: 6306، صحيح.
  15. إيمان طلعت (19-10-2019)، "الاستغفار .. فوائده وأثره فى استجابة الدعاء وأفضل الصيغ فيه"، elbalad، اطّلع عليه بتاريخ 22-1-2020. بتصرّف.
  16. "" أحوال وأوقات يستحب فيها الاستغفار ""، kalemtayeb، اطّلع عليه بتاريخ 22-1-2020. بتصرّف.
  17. سورة البقرة ، آية: 199.
  18. سورة ال عمران، آية: 17.
  19. رواه الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 2/169، صحيح الإسناد.
  20. رواه الألباني، في صحيح أبي داود، عن عثمان بن عفان، الصفحة أو الرقم: 3221، صحيح.