شرح قصيدة من الغزل العذري

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٥٥ ، ٢٨ مارس ٢٠٢١
شرح قصيدة من الغزل العذري

بمَ تتميز قصائد الغزل العذري؟

العزل العذري هو أحد الأنماط الشعرية التي كان يتخذها الشعراء في قصائدهم لوصف محبوباتهم بطريقة لطيفة وعذرية بعيدة عن الجرأة، وتتميز قصائد الغزل العذري بمجموعة من الخصائص نبينها لك فيما يلي:[١]

  • الصدق والعفة والطهر: ويشمل الصدق الواقعي، والتاريخي، وصدق الخبر، وصدق الخيال الذي ينقله الشاعر ويُوظفه في قصيدته لوصف محبوبته.
  • صدق التجربة: يمكن للشاعر أنّ يكون قد خاض تجربة الحبّ العذري وسمت بهمشاعره لوصف التجربة بمشاعره الصادقة والمرهفة بصدق كما شعر وأحس بها، ويمكن أنّ يعيش الشاعر التجربة بخيالاته ويرتقي بها بذهنه وكأنه مرّ بالتجربة وعاش تفاصيلها، والحالة الأخيرة لا يجيدها إلا شاعر قدير ارتقى في مراتب الوصف والشعر.
  • التراوح بين الوضوح والإخفاء: اختلفت قصائد الغزل العذري فبعضها كان الغزل فيها واضحًا صريحًا يلامس القلب مباشرة، وفي قصائد أخرى لبعض الشعراء العذريين اختفت كلمات الغزل من بعض أبيات شعرهم وانطفت حرارة الغزل بين الكلمات.
  • وضوح العرض: اقتصرت قصائد الغزل العذري على موضوعٍ واحد يصف من خلاله الشاعر محبوبته دون إسهابٍ، أو إطالة، ودون طرح موضوع آخر.
  • العذوبة والرقة: كان من الواضح أنّ معاناة أغلب الشعراء العذريين صادقة فعلًا، وقد صورا لحظاتهم بكل صدق ومعاناة، وصورا مشاعرهم كالبكاء، والدموع، والحرقة، واليأس، والوحدة، والغربة، والفراق والاشتياق والسفر عن ديار الحبيب، وتمني لقاء الحبيب مرة أخرى.
  • التضحية والإخلاص: بالرغم من اختلاف بعض الشعراء العذريين في طريقة نظم أبيات الشعر، إلا أنّهم اجتمعوا على التضحية، والإخلاص، والصدق، والوفاء في حبّهم ووصف محبوباتهم.


أشهر قصائد الغزل العذري

إليك فيما يلي بعض الأمثلة على قصائد الغزل العذري:

  • مضى زمن والناس يستشفعون بي: لقيس بن الملوح، ونذكر بعض أبياتها:[٢]

مضى زمنٌ والناسُ يستشفعون بي

فهل لي إلى ليلى الغداة شفيعُ

يُضَعّفني حبِّيكِ حتى كأنني

من الأهل والمال التليد نزيعُ

إذا ما لحاني العاذلاتُ بحبها

أبت كبدي مما أجنُّ صديع

مدى الدهر أو يندَى الصفا من متونه

ويُشعب من كسر الزجاج صُدوع

وحتى دعاني الناسُ أحمق مائقًا

وقالوا تبوعٌ للضلال مطيعُ

وكيف أطيع العاذلات وحبها

يؤرقني والعاذلات هُجوعُ


  • لليلى بذات البين: لأبي صخر الهذلي، نذكر بعض أبياتها:[٣]

لليلى بذات البين دارٌ عرفتها

وأخرى بذاتِ الجيشِ آياتها عفر

فكأنهما ملآن لم يتغيرا

وقد مر بالدارين من بعدنا حصر

وقفت برسميها فلا تنكرا

صدفت وعيني دمعها سرب همر

وفي الدمع إن كذبت بالحبِّ شاهد

يبينُ ما أخفي كما بين البذر

صبرت فلما عال نفسي وشفها

عجاريف تأتي به غلب الصبر

إذا لم يكن بين الحبيبين ردة

سوى ذكرُ شيءٍ قد مضى درس الذكر

إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني

نسيمُ الصبا من حيث يطلعُ الفجر

إذا ذكرتُ يرتاحُ قلبي لذكرها

كما انتفضَ العصفورُ بلله القطر


  • قصيدة عروة بن حزام وعفراء العذرية: نذكر بعض أبياتها:[٤]

وإني لتعروني لذكراكِ رعدة

لها بين جلدي والعظام دبيبُ

فما هو إلا أن أراها فجأة

فأبهت حتى ما أكاد أجيب

فقلتُ لعرافِ اليمامةِ داوني

فإنك إن أبرأتني لطبيب

فما بي حمى ولا مس جنة

ولكن عمي الحميري كذوب

عشية لا عفراء منك بعيدة

فتسلو ولا عفراء منك قريب

وبي من جوى الأحزانِ والبعدِ لوعة

تكادُ لها نفس الشفيق تذوب

وما عجب موتَ المحبين في الهوى

ولكن بقاءَ العاشقينَ عجيبُ


أبرز شعراء الغزل العذري

نبين لك فيما يلي أبرز شعراء الغزل العذري:

  • قيس بن الملوح: اشتهر باسم مجنون ليلى ومجنون بني عامر، وهو واحد من أبرز شعراء الحب العذري، وشهد له التاريخ بأروع قصصه وأنبل عواطفه، ويُقال إنّه توفي سنة 65 أو 68 هجري.[٥]
  • جميل بن معمر: هو جميل بن عبدالله بن معمر بن الحارث بن ظبيان، وسمي جميل بثينة نسبة إلى محبوبته بثينة التي كان يهواها، وهي قريبته في النسب شاهدها ذات يوم عندما ذهب ليسقي إبله في واد يقال له بغيض، فوردت بثينة ومعها اثنتين من أقرانها، فرآها جميل وأعجب بها؛ إلا أنّه عانى في حبه كباقي الشعراء العذريين.[٦]
  • كثير عزة: هو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، عُرِفَ بعشقه لعزة، وهو أحد الشعراء العذريين في العصر الأموي، وذكرها بشعره وكان يُكنّيها بأم عمرو، وتوفي في المدينة المنورة.[٧]
  • شعراء الغزل العذري في العصر الجاهلي: من شعراء الغزل العذري في العصر الجاهلي؛ امرؤ القيس، والمرقش الأكبر، وعنترة بن شداد.[٨]
  • شعراء الغزل العذري في العصر الأموي: عروة بن حزام، وعروة بن أذينة، وجميل بثينة، وقيس لبنى، والعباس بن الأحنف.[٨]


قد يُهِمُّكَ: نشأة الغزل العذري

عُرف الغزل العذري في العصر الجاهلي، وهو لونٌ من ألوان الغزل المختص بالشعر العربي يُعبر به الشاعر عن محبوبته وما يطغى عليه من مشاعر الفقد، والحرمان، والحزن، واليأس، والفراق مع وصف لمشاعره بعيدًا كل البعد عن الغزل الذي يصف الجسد، فهو غزلًا عذريًا يقتصر فيه الشاعر على محبوبة واحدة طيلة حياته، نشأ الغزل العذري في العصر الجاهلي، ثمّ تطور الغزل العذري للعصور الذي تلته، واتجه الشعراء في العصور اللاحقة لتطويره والنهضة به، رغم تمسكهم بالاتجاه الصراعي الذي يعانيه الشاعر مع حبه والذي انطبق سابقًا على غيرهم من الشعراء العذريين، واختلف الدارسين للشعر العذري، فمنهم من قالو إن بداية نشأته كانت في العصر الجاهلي إذ اشتُقّ من بعض المقدمات والقصائد التي نظمها شعراء الشعر الجاهلي، في حين رأى القسم الآخر بأنّه أموي النشأة، وظهر في عصر بني أمية مستدلين على أنّه نوع من الغزل الطاهر العفيف، والحب الصادق ومن الاستحالة أنّ يرتبط بالعصر الجاهلي، إلا أنّ الرأي الأرجح أنّ جذور نشأة الغزل العذري امتدت من العصر الجاهلي وكان يدعو إلى عفة الحب، وعذرية الغزل، ومنع الغزل الجسدي إلا عن طريق الزواج وكان له أصول عند الشعراء أمثال عنترة بن شداد، وبعدها شاع الغزل العذري بالعصر الأموي بعفته وطهارته وعذريته.

وقد جاءت بعض الدراسات الحديثة التي نفت نشأة الغزل العذري للعصر الجاهلي وفقًا للحيز الزماني والمكاني، إلا أنّه كان لنشأته في العصر الجاهلي رأي آخر، فمنه كان التمهيد والبداية لنشأته حيث تجسدت البيئة العربية في العصر الجاهلي وتأصلت العادات والتقاليد العربية التي تحث على الشهامة، والوفاء بالعهد، وإظهار الفروسية بالحرب، والبطولة وحماية الجار، وجميعها صفات عربية أصيلة أثرت في روح الشاعر العربي في أيّ زمن كان، وكان لها التأثير الكبير على عاطفته، وطريقته في الحب، والتعبير عن عواطفه فكان ينبغي أنّ يظهرأمام محبوبته بمظهر الحبيب الوفي على العهد الذي يخاطر في سبيل حمايتها، وبالرغم من ذلك وُجد بعض الاختلاف بين عذرية الشاعر الجاهلي وعذرية الشاعر العذري الأموي في أبعاد كثيرة، فكان للفن العذري في كل حقبة من الزمن فروعٍ تميزه، وعليه يمكننا القول إن نشأة بذرة الغزل العذري كانت في العصر الجاهلي، وازدهر في العصر الأموي، واستمر للعصر العباسي.[٩]


المراجع

  1. قصي فاضل الخطيب، الصدق الفني في شعر الغزل حتى نهاية القرن الثاني الهجري، صفحة 151-152. بتصرّف.
  2. أبي بكر الوالبي، ديوان قيس بن الملوح مجنون ليلى برواية أبي بكر الوالبي، صفحة 28-27. بتصرّف.
  3. علي الخطيب، دراسات أدبية فى عصر بنى أمية، صفحة 35-34. بتصرّف.
  4. "نوادر العشاق"، هنداوي، اطّلع عليه بتاريخ 17/1/2021. بتصرّف.
  5. ابي بكر الوالبي، ديوان قيس بن الملوح مجنون ليلى برواية أبي بكر الوالبي، صفحة 7. بتصرّف.
  6. "جميل بن معمر"، المعرفة، اطّلع عليه بتاريخ 28-3-2021. بتصرّف.
  7. "كثير عزة"، المعرفة، اطّلع عليه بتاريخ 17/1/2021. بتصرّف.
  8. ^ أ ب قصي فاضل الخطيب، الصدق الفني في شعر الغزل حتى نهاية القرن الثاني الهجري، صفحة 9-10. بتصرّف.
  9. "الغزل العذري وحقيقة الجذور نشأة الغزل العذري"، مجلة أبحاث ميسان، 2012، العدد 17، المجلد 9، صفحة 2-3. بتصرّف.