شرح قصيدة البردة لكعب بن زهير

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٢٧ ، ٤ أغسطس ٢٠١٨
شرح قصيدة البردة لكعب بن زهير

روان رضوان

تعدُّ قصيدة البردة من أشهر القصائد في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قالها الشاعر زهير بن كعب في محاولته للاعتذار من الرسول بسبب الشعر الذي قاله في ذمّه وهجائه ممّا دفع النبي لإهدار دمه بسبب انتشار شعره وقد سميّت بالبردة لأنَّ النبي أهدى بردته لكعب بعد أن جاءه متخفيًّا مسلمًا منشدًا قصيدته المشهورة.

الشاعر كعب بن زهير

هو كعب بن زهير بن أبي سلمى بن ربيعة لقّب بشاعر الحكمة الكبير، وكان أحد الشعراء المخضرمين فقد عاش في عصر ما قبل الإسلام وعصر صدر الإسلام وكان من أشهر شعراء الجاهلية والذين ينتمون إلى علية القوم، اشتهر كعب بسرعة حفظه للشعر وإتقانه لنظمه حتى بلغ من الشعر والشهرة حظًا مرموقًا وأصبح أشهر من الحطيئة في وقته.

شرح قصيدة البردة

لم يحظَ شعرٌ في العالم بمثلما حظيت به البردة حيث اهتمَّ بشرحها الشعراء والعلماء على مرّ العصور وتُرجمت إلى عدّة لغات.

  • تقع بردة كعب بن زهير في 58 بيتًا من البحر البسيط، وابتدأها بالغزل على عادة العرب للفت الانتباه إلى شعرهم، ليصف بها حالته وحزنه على فراق محبوبته التي أسماها سعادًا ويصفها لحظة رحيلها كغزالٍ في صوتها غنّه وفي عينها حياء واكتحال، وقد كان وصفه لها ينتمي إلى الغزل العذري فلم يصف جسدها ومعالم فتنتها كما اختار اسم سعاد دلالةً على سعادته بقبول النبي لاعتذاره ودخوله في الإسلام فيقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولٌ      متيمٌ إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا     إلّا أغنُّ غضيض الطَّرف مكحول

هيفاء مقبلةٌ عجزاء مدبرةٌ       لا يشتكى قصرٌ منها ولا طول

  • بعد ذلك ينتقل كعب بن زهير لوصف حالته وخوفه من لحظة مقابلة النبي ويذكر قصّة الوشاة الذين سعوا لإبعاده عن الإسلام وكيف تخلّى عنه قومه ولم يُجره أصحابه حتى غدا وحيدًا لذلك قرَّر مواجهة مصيره والقدوم إلى مجلس النبي وكلّه أملٌ بأن يعفو عنه فهو الصَّادق الأمين المعروف بسماحته وصفحه فقال:

شُجَّتْ بِذي شَبَمٍ مِنْ ماءِ مَعْنِيةٍ     صافٍ بأَبْطَحَ أضْحَى وهْوَ مَشْمولُ

تَنْفِي الرِّياحُ القَذَى عَنْهُ وأفْرَطُه      مِنْ صَوْبِ سارِيَةٍ بِيضٌ يَعالِيلُ

أكْرِمْ بِها خُلَّةً لوْ أنَّها صَدَقَتْ        مَوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَّ النُّصْحَ مَقْبولُ

لكِنَّها خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِها        فَجْعٌ ووَلَعٌ وإِخْلافٌ وتَبْديلُ

فما تَدومُ عَلَى حالٍ تكونُ بِها      كَما تَلَوَّنُ في أثْوابِها الغُولُ

ولا تَمَسَّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمْتْ     إلاَّ كَما يُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ

  • بعد البيت العاشر إلى نهاية القصيدة يبدأ الشاعر بمدح الرسول فيصفه بالنّور الذي يُهتدى به وبأنّه سيفٌ من سيوف الحقّ ويصف المهاجرين بأنّهم أشجع العرب ويتحدَّث عن هيئتهم في المعارك وكأنَّ لباسهم من نسج داود وبأنّه النصر عادةٌ عندهم فإذا غلبوا عدوّهم لم يفرحوا بذلك وإذا غلبهم العدو لم يجزعوا. كما مدح الأنصار وشبههم بالجِمال الزهر لنشاطهم وسرعتهم في ساحات القتال ممّا يحميهم من الضرب والطعن، وفي المقابل يعرض صورة الأعداء مقابل المسلمين فيستخدم لفظ "التنابيل" كنايةً عن الضعف وقصور الهمّة كما أسهب في الحديث عن أخلاق الرسول وصحابته الكرام وأنهى القصيدة كما بدأها بذكر سعاد، فقال:

 

إنَّ الأمانيَّ والأحلامٌ وتضليلُ   فلا يَغُرَّنْكَ ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ

كانَتْ مَواعيدُ عُرْقوبٍ لَها مَثَلًا     وما مَواعِيدُها إلاَّ الأباطيلُ

أرْجو وآمُلُ أنْ تَدْنو مَوَدَّتُها      وما إِخالُ لَدَيْنا مِنْكِ تَنْويلُ

أمْسَتْ سُعادُ بِأرْضٍ لا يُبَلِّغُها    إلاَّ العِتاقُ النَّجيباتُ المَراسِيلُ

ولَنْ يُبَلِّغَها إلاَّ غُذافِرَةٌ           لها عَلَى الأيْنِ إرْقالٌ وتَبْغيلُ

مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا    عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ

تَرْمِي الغُيوبَ بِعَيْنَيْ مُفْرَدٍ       لَهِقٍ إذا تَوَقَّدَتِ الحَزَّازُ والمِيلُ

إنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضاءُ بِهِ   مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ

في فِتْيَةٍ مِنْ قُريْشٍ قالَ قائِلُهُم  ْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أسْلَمُوا زُولُوا

زالُوا فمَا زالَ أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ   عِنْدَ الِّلقاءِ ولا مِيلٌ مَعازيلُ

شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لُبوسُهُمْ مِنْ       نَسْجِ دَاوُدَ في الهَيْجَا سَرابيلُ

بِيضٌ سَوَابِغُ قد شُكَّتْ لَهَا حَلَقٌ       كأنَّها حَلَقُ القَفْعاءِ مَجْدولُ

يَمْشونَ مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهُم    ضَرْبٌ إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنابِيلُ

لا يَفْرَحونَ إذا نَالتْ رِماحُهُم       قَوْمًا ولَيْسوا مَجازِيعًا إذا نِيلُوا

لا يَقَعُ الطَّعْنُ إلاَّ في نُحورِهِمُ      وما لَهُمْ عَنْ حِياضِ الموتِ تَهْليلُ

يمتاز أسلوب كعب بن زهير في قصيدته هذه بجزالة الألفاظ وبساطة المعاني واختيار الصور الملائمة للمواقف المختلفة، كما يظهر في القصيدة قلّة استخدام المحسنات البديعية والصور التشبيهية، وقد برع  في رسم صورة كاملة عن بيئته المحيطة وهي البيئة البدوية الصحراوية ويظهر ذلك دقيقًا من خلال استخدام مفردات مثل حياض الموت وتشبيه الرسول بالسيف ووصف آلات الحرب وقسوة طبائع النّاس.