شرح قصيدة اللغة العربية تعاتب ابناءها

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٢٩ ، ٢٦ يوليو ٢٠١٨
شرح قصيدة اللغة العربية تعاتب ابناءها

تعتبر اللغة العربية أكثر اللغات السامية انتشارًا في العالم كما أنّها تعد من أصعب اللغات تعلَّمًا وقد تعرَّضت إلى حملات عديدة لتشويهها وسلبها مكانتها، وقد قال حافظ إبراهيم هذه القصيدة دفاعًا عن اللغة العربية التي أهلها وتخلوا عنها وقد نسوا بأنّها تحفظ كتابهم المقدّس وشريعتهم وتعبّر عن علومهم وآدابهم فبدأوا بجحودها واتّهامها بالقصور والضيق وعدم استيعاب العلوم الحديثة وتعالت الأصوات التي تطالب باستبدالها باللغات الحديثة فجاءت هذه الكلمات كالنزيف وأقرب إلى الدموع يخاطب فيها الشاعر قومه بلسان لغتهم ويستثير ولائهم وإخلاصهم لها.

الشاعر حافظ إبراهيم

هو شاعرٌ مصري يعدّ من أبرز شعراء القرن العشرين، اقترن اسمه بالشاعر الكبير أحمد شوقي ولقّب بـ "شاعر النيل" و "شاعر الشعب".

ولدَ حافظ ابراهيم على متن سفينةٍ كانت ترسو على نهر النيل في محافظة أسيوط من أبٍ مصري وأمٍّ تركية، وقد عاش طفولةً صعبة بعد موت والديه لكنّه أصبح إحدى عجائب زمانه بعد أن اشتدَّ عوده فقد كان ذا ذاكرةٍ قوية لم يشهد لها أقرانه مثيلًا فقد كان يقرأ الكتاب أو ديوان الشعر قراءةً سريعة ثمَّ لا يلبث أن يستشهد بمقاطع من الكتاب غيبًا بعد انتهائه منه.

 قصيدة اللغة العربية تعاتب أبنائها

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي *** وناديت قومي فاحتسبت حياتي

ررموني بعقم في الشباب وليتني *** عقمت فلم أجزع لقول عداتي

وولدت فلما لم أجد لعرائـــســـي *** رجـالاً وأكـفــاءً وأدت بـنـــاتي

ووسعت كتاب الله لفظًا وغــايــة *** وما ضقت عن آيٍ به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة ***وتنسيق أسماءٍ لـمخـتـرعــات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن*** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني *** ومنكم، وإن عـز الـدواء، أسـاتـي

أيطربكم من جانب الغرب ناعب *** ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟

أرى كل يوم في الجرائد مزلقًا *** من القبر يـدنـيـني بغـيـر أناة!!

وأسمع للكتاب في مصر ضجةً *** فـأعـلــم أن الصائحـيـن نعاتي!!

أيهجرني قومي عفا الله عنهم *** إلى لـغــة لــم تـتـصل بـــرواة؟!

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى*** لُعَابُ الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوبٍ ضم سبعين رقعة *** مُشَكَّلَةَ الألـوان مـخـتـلـفــــــات

إلى معشر الكتاب والجمع حافل*** بسطت رجائي بعد بسط شَكَاتِي

فإما حياة تبعث الميت في البلى*** وتُبْنِتُ في تلك الرموس رفاتي

وإما مــمات لا قـــيــامــة بعـــده*** مــمات لعمري لم يُقَــسْ بممـات

شرح القصيدة

  • يبدأ الشاعر القصيدة وكأنَّ اللغة العربية شخصٌ حي ويتكلَّم عن نفسه فتنعى عقوق أبنائها ودهشتها الشديدة من اتهاماتهم لها وكيف أنّها راجعت نفسها فربّما كان الخلل فيها صدقًا وربّما كانت عقيمًا كما يزعمون ولكنّها الودود الولود التي تتجدَّد مع تجدّد الزمان والتي لم تنجب سوى مروج العرائس من المفردات والعبارات.
  • تتعجّب اللغة العربية من أولئك الذين تربوا في حضنها ولما كبروا قليلًا أصبحوا ينادون بوأدها ونسوا بأنّها هي التي وسِعَت كتاب الله فكيف يزعمون بأنّها تضيق في التعبير عن باقي العلوم المختلفة، فتصف نفسها بأنّها البحر وجميع اللؤلؤ المكنون في العالم في جوفها.
  • في منتصف القصيدة تبدأ لغة الحزن تغلب على الأبيات فنجد اللغة تعاتب أبنائها وتقول لهم ويحكم أنا إذا ما فنيت وفنيَت محاسني فيجب أن يكون دوائي وطبيبي منكم وبينكم، فلماذا تفرحون وتطربون لمنادي الغرب عندما ينادي بدفني حية وأنا في عزّ شبابي وربيع حياتي، كيف سيكون شعوري وأنا أسمع كلّ هذه الضجة من حولي فلا أجد سوى من ينقلون خبر وفاتي وبأنَّ قومي اختاروا هجري إلى لغةٍ غريبة لا تمتّ لهم بصلة، لغةٌ تسري فيها لوثةٌ كما يسري سمُّ الأفاعي في الماء العذب.
  • في نهاية القصيدة وبعد أن انتهت اللغة من تقديم شكواها فإنّها تبسط يد الرَّجاء وتحضّ أبناءها من معاشر الكتّاب وعلماء اللغة أن يعودوا إلى إيمانهم الكبير بها وأن يدخلوها من أبوابها الواسعة فهناك سيجدون السعة والرحابة بكلّ جديد وأن يكفّوا عن اتهامها بالقِدَم والتخلَّف، وبدلًا من ذلك عليهم أن يبعثوا الحياة فيها من جديد فموتها لن يكون كموت أيّ لغةٍ أخرى بل هو موت أمةٍ وتاريخ وثقافة كاملة.

أحدثت هذه القصيدة ضجةً كبيرة بين الأوساط الأدبية في حينها وتناقلها الكبار والصّغار واستخدموها في دفاعهم عن لغتهم وحفظها من الاندثار..