شرح قصيدة اللغة العربية تعاتب ابناءها

بواسطة: - آخر تحديث: ١٤:٥٧ ، ١٩ يناير ٢٠٢١
شرح قصيدة اللغة العربية تعاتب ابناءها

شرح قصيدة: اللغة العربية تعاتب أبناءها

كتب الشاعر حافظ إبراهيم قصيدة اللغة العربية تعاتب أبنائها وعنوانها اللغة العربية وصوّرها على أنها شخص ينعى نفسه قبل وفاته، نذكر لك أبيات القصيدة مع شرحها:[١][٢]

رجعت لنفسي فاتهمتُ حصاتي

وناديت قومي فاحتسبتُ حياتي

رموني بعقمٍ في الشباب وليتني

عقمتُ فلم أجزع لقول عداتي

ولدتُ ولما لم أجد لعرائسي

رجالًا وأكفاء وأدتُ بناتي


  • الشرح: جسّد الشاعر اللغة العربية بصورة إنسان ينعى حظه بين أهله قبل لحظات وفاته، ففي مطلع القصيدة يصف الشاعر بلسان اللغة العربية بأنّها تأملت ما آل إليه حالها، وألقت اللوم على عقلها، وأساءت الظن بمقدرتها ونفسها، وكادت أنّ تُصدق ما وُصفت به من العقم من قبل بعض أعداء اللغة العربية، فاستغاثت ونادت على قومها أهل الضاد والمتحدثين باسمها فلم يستجب لها أحدًا ولم تجد نصيرًا، وتُدرك بعدها اللغة العربية بأنّها هالكة، ويتداركُ الشاعر في البيتين التاليين بأنّ اللغة العربية لا يُدنسها أيّ عيب إنّما العيب في أهلها المتحدثين باسمها والذين يُقللون من قيمتها دون أنّ يدافعوا عنها، وكان يقصد بأنّ العيب يكمن في الكلام الذي يتحدث به أهل اللغة العربية دون مراعاة الحفاظ على قواعدها وأسسها السليمة ممّا يُهددها بالضياع، وكان قصده بين الفرق المنهجي بين اللغة العربية الأصيلة والكلام الذي يتحدث به العامة.[١]

وسعتُ كتاب الله لفظًا وغايةً

وما ضقتُ عن آيٍ به وعظات

فكيف أضيقُ اليوم عن وصف آلةٍ

وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدُّر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فيا ويحكم أبلى وتُبلى محاسني

ومنكم وإنّ عز الدواء أساتي

فلا تكلوني للزمان فإنّني

أخاف عليكم بأنّ تحين وفاتي


  • الشرح: يُتابع الشاعر حافظ إبراهيم في الأبيات السابقة بحال لسان اللغة العربية التي تقول وتدافع عن نفسها بأنّها لغة القرآن التي تجلى فيها الإعجاز اللفظي، فهل تكون قاصرة عن تسمية بعض المصطلحات الحديثة وهي لغة الإعجاز والبلاغة، وتصف نفسها كالبحر العميق المليء باللآلئ والمجوهرات النفيسة كلّما تعمقتَ بها اكتشفت النادر والأجمل، وتُخاطب اللغة العربية أبناءها موبخةً لهم بالحفاظ عليها؛ حى لا تُبلى ما وُصفت به من جمال، وتتابع خطابها بالبيت الأخير بكلام يغلبهُ الحزن، والأسى، واللوم، والعتب بخوفها على اندثارها وضياعها، وتلومهم بتصحيح الخطأ قبل ضياعها وقبل فوات الأوان، وهنا دعوة من الشاعر للحفاظ على اللغة العربية في ظل الأوضاع الصعبة والفترة الزمنية التي نُظمت فيها القصيدة وهي الفترة التي كانت تعاني منها الأمة العربية من وطأة الاحتلال وتبعاته.[٣]


أرى لرجال الغرب عزًا ومنعة

وكم عز أقوامٍ بعز لغات

أتوا أهلهم بمعجزاتٍ تقنُّنا

فيا ليتكم تأتون بالكلماتِ

أيُطريكم من جانب الغرب ناعب

ينادي بوأدي في ربيع حياتي؟

ولو تزجرون الطير يومًا علمتم

بما تحته من عثرة وشتات

سقى الله في بطن الجزيرة أعظما

يعزُ عليها أنّ تلين قناتي

حفظن ودادي في البلى وحفظته

لهنّ بقلب دائم الحسرات

وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق

حياء بتلك الأعظم النخرات

أرى كل يوم بالجرائد مزلقا

من القبر يدنيني بغير أناة

وأسمع للكتاب في مصر ضجة

فأعلم أنّ الصائحين نعاتي

أيهجرني قومي عفا الله عنهم

إلى لغة لم تتصل برواة

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى

لعاب الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوبٍ ضُم سبعين رقعة

مشكلة الألوان مختلفاتِ

إلى معشر الكتاب والجمعُ حافل

بسطتُ رجائي بعد بسط شكاتي

فإمّا حياة تبعثُ الميت في البلى

وتنبت في تلك الرموس رفاتي

وإمّا ممات لا قيامة بعده

ممات لعمري لم يقس بممات


  • الشرح: يتابع حافظ إبراهيم بحال لسان اللغة العربية التي تدافع عن نفسها مبينًا بأنّ قوة اللغة هي سبب قوة أهلها، وبين أنّ العز الذي حصل عليه الغرب بسبب قوتهم، وبين أنّ ضعف اللغة سببًا في ضعف أهلها،[٤]وتُتابع وتستفهم اللغة العربية سائلةً أبناءها هل يُفرحكم من جانب الغرب نعيق الغراب الذي ينادي بموتي وأنا ما زلت في ربيع الحياة، ويتابع الشاعر بوصف اللغة العربية ومشاهدتها لكثيرٍ من الأخطاء في المقالات التي تُكتب في الجرائد ممّا يشكل للقارئ نموذجًا سيئًا للغة دون وعيٍ بقواعدها وأسسها السليمة، وتتابع بأنّها سمعت الضجة التي حصلت بمصر وسببها الحملة الجائرة للدعوة إلى العامية، وتُشبّه حالهم بأنّهم كمن ينقلون خبر وفاتها،[٥]يتابع الشاعر عتاب اللغة العربية لأبنائها ولومهم مندهشة من أنّ يتركوها من أجل لغات أخرى وكأنها سم أفعى دخيل ينتشر في نهر ماء عذب، وتصف هذه اللغة الدخيلة كالثوب الذي ضمّ العديد من الرقع مختلفة الألوان والأشكال، وتتنقل اللغة العربية ببيان اعتزاز أهل اللغات الأخرى بها، وتوجه دعوة لأبنائها للحفاظ عليها، فموتها يعني انتهاء أجيال وانتهاء أمةٍ كاملة.[٣]


سمات قصيدة اللغة العربية تعاتب أبناءها

واحدة من أهم سمات قصيدة اللغة العربية للشاعر حافظ ابراهيم هو التشخيص، فالتشخيص من سمات شعره واستخدمه بوضوح في قصيدة اللغة العربية إذ شخصها على هيئة إنسان يتحدّث عن نفسه، بالإضافة إلى هذا لا تخلو القصيدة من الصور البيانية الجميلة والفريدة، واستخدم حافظ إبراهيم الاستعارات المكنية فيها، عندما قال على لسان اللغة "ولدتُ" وهنا شبهها بامرأة، واستخدم أيضًا الاستعارة الصريحة، والتشبيهات البليغة، والطِباق.[٦]وقد تميزت قصيدة اللغة العربية للشاعر حافظ إبراهيم بعددٍ من السمات التي اتسمت بها قصائده الأخرى، إذ كان لحافظ ابراهيم أسلوبًا خاصًا به واتصف شعره بما يلي:[٧]

  • الأسلوب القصصي: يستعمل حافظ إبراهيم الأسلوب القصصي بكثرة في قصائده، فيطرح أفكاره بلسان غيره لا بلسانه هو.
  • التشخيص: وهي الميزة التي لمسناها في قصيدة اللغة العربية، فغالبًا ما يلجأ إبراهيم لتشخيص الأشياء في أشعاره لإعطائها إحساسًا ومشاعرًا وأفكارًا قريبة للقارئ.
  • قلّة الغزل وكثرة الشعر السياسي: لم يكتب حافظ إبراهيم كثيرًا عن مواضيع الحب والغزل ولكنه كان شغوفًا بالكتابة في السياسة واتبع أسلوب الشكوى والنقد في قصائده السياسية.
  • استخدام الاستعارة: تعدّ الاستعارة من أبرز الصور البيانية التي يستخدمها حافظ إبراهيم في قصائده.
  • التجديد: اتبع حافظ إبراهيم التجديد في شعره فكانت قصائده معاصرة ومواكبة للأحداث في المجتمع وخصوصًا على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وحتى في المواضيع الشعرية الأخرى لم يتبع نهجًا قديمًا فجدد في كل شيء في شعره.


قد يُهِمُّكَ: مؤلف قصيدة اللغة العربية تعاتب أبناءها

محمود حافظ إبراهيم، له ألقاب عديدة مثل؛ شاعر النيل، وشاعر الشعب، وهو من أبرز شعراء العصر الحديث، وهو مصري الأصل، كما أنه من أعضاء مدرسة الإحياء والبعث الشعرية التي كان ينتمي إليها الكثير من الشعراء أمثال؛ أحمد شوقي، ومحمود سامي البارودي، وقد ولد إبراهيم عام 1872 بمحافظة أسيوط بقرية تدعى ديروط وكان أبوه مصري وأمه تركية، كفله خاله بعد وفاة والديه وهو صغير وانتقل للعيش في القاهرة، عمل مهندسًا، ثم انتقل إلى طنطا، ثم رحل عن خاله عندما شعر بأنّه يضيق ذرعًا من كفالته، وكان رحيله نقلة نوعيه في حياته وفرصة للاطلاع على كتب الشعر والأدب وخاصة بعدما عمل لدى مكتب محامي أهم زعماء الثورة، وقد التحق إبراهيم بالمدرسة الحربية وتخرج برتبة ملازم ثانٍ، وأُرسلَ إلى السودان، وفي عام 1911 عُين رئيسًا في دار الكتب للقسم الأدبي، وطُور في عمله حتى أصبح وكيلًا لدار الكتب، وتُوج بلقب شاعر النيل، وحظي بالتقدير من قبل الشعراء الآخرين بالرغم من اختلاف المذاهب الشعرية، وتوفي عام 1932.[٨][٩]


المراجع

  1. ^ أ ب أحمد مجاهد، خارج السياق، صفحة 240. بتصرّف.
  2. "لحافظ بك إبراهيم عن لسان حال اللغة العربية "، الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 18/1/2021. بتصرّف.
  3. ^ أ ب " شرح قصيدة اللغة العربية لحافظ إبراهيم"، المصطبة، 18/2/2019، اطّلع عليه بتاريخ 17/1/2021. بتصرّف.
  4. شمس الدين درمش، "المعنى المقلوب في بيت حافظ"، الجزيرة، اطّلع عليه بتاريخ 17/1/2021. بتصرّف.
  5. أحمد مجاهد، خارج السياق، صفحة 241. بتصرّف.
  6. عبدلي فاطمة الزهرة (2015)، "الصورة الفنية في شعر حافظ ابراهيم دراسة وصفية تحليلية"، جامعة محمد بو ضياف، صفحة 53-54. بتصرّف.
  7. عبدلي فاطمة الزهرة (2015)، "الصورة الفنية في شعر حافظ ابراهيم دراسة وصفية تحليلية"، جامعة محمد بو ضياف، صفحة 59-62. بتصرّف.
  8. "محمد حافظ إبراهيم"، الهنداوي، اطّلع عليه بتاريخ 17/1/2021. بتصرّف.
  9. "Hafez Ibrahim", sis, Retrieved 18/1/2021. Edited.