ملخص رواية موسم الهجرة الى الشمال

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٣٠ ، ٤ ديسمبر ٢٠١٩
ملخص رواية موسم الهجرة الى الشمال

رواية موسم الهجرة إلى الشمال 

كتب الروائي السوداني الطّيب صالح روايته في أواسطَ الستينيات، في ذلك الوقت كانت مجتمعات أفريقيا والعالم العربي والعالم الثالث قد خرجت حديثًا من أتون الاستعمار العسكري طويل الأمد، ولقد كان لدى هذه الشعوب الأمل في التخلص من آثار الاستعمارالمدمّرة والمزمنة، التي خلّفها في نسيج وتكوين هذه المجتمعات.

لقد شكّلت رواية موسم الهجرة إلى الشمال عند ظهورها حدثًا مميّزًا واستثنائيًا في تاريخ الرواية العربية، وقد فتح ظهورها آفاقًا جديدة للثقافة العربية، في سياق ما يشهده العالم من مظاهر المهاجرين واللاجئين العرب في أوروبا، وموقف دول أوروبا من ذلك مع صعود التيّار اليَميني فيها، لذلك قد تكتسب الرواية معاني جديدة وفهمًا جديد، وتمنح القارئ فرصة لقراءة الأحداث بطريقة مدهشة ومختلفة. [١]


ملخص رواية موسم الهجرة إلى الشمال

ركّزت رواية موسم الهجرة إلى الشمال على صراع الحضارات برواية مليئة بمشاعر التغيير، وبذاكرة خصبة مُفعمة بالصراعات بين طبيعة الحياة في مدينة لندن، وبين الحياة في السودان، وقد أثبت الكاتب الطيب صالح أن النتيجة لا تتعدّى حقيقة أن الإنسان هو واحد في كل مكان وزمان، وبيّن ذلك من خلال شخصيتين، هما؛ مصطفى سعيد والراوي؛ فمصطفى سعيد الناجح عملي وهو الفاسد المنحلّ أخلاقيًا رجع إلى السودان بشخصيّة لم تستطع التأقلم الإيجابي مع المجتمع، أما مصطفى سعيد فهو شخص يتيم تفجّرت مواهبه وطاقاته ثمّ خالف مبادئ وثوابت مجتمعه في الغربة عندما أتيحت له البدائل، فكانت شخصيته مخالفة لشخصية الراوي الذي عايش ظروفًا مشابهة تقريبًا وقد رجع من المكان نفسه الذي رجع منه مصطفى، غير أنّ الراوي عاش حياته في الغربة حسب متطلباته الغرائزية المنضبطة، ليعود بعدها إلى بلده السودان ويستغلّ خبراته ومهاراته لخدمة بلاده.

تقوم رواية موسم الهجرة إلى الشمال على ذاكرتين مكانيتين؛ المكان الأول بريطانيا، إذ كان الراوي مجهول الهوية يدرس، والمكان الثاني في السودان إذ يلتقى فيه مصطفى سعيد مع الراوي.

قضى الراوي سبع سنوات في أوروبا للدراسة، وبعدها عاد إلى قريته (ود حامد) التي تقع قرب نهر النيل في السودان، لم يشعر الراوي بالراحة عند وصوله قريته، وذلك بعد أن تعايش مع أجواء وعادات الشعب البريطاني، ولكنه عندما سمع صوت الريح مداعبة أشجار النخيل وأصوات الحمام، وأصبح يشعر بالحنين والدفء والهدوء.

بعد مِضي يوم من عودته للقرية وأثناء احتسائه الشاي مع والديه، شاهد الراوي رجلًا لم يألف وجهه من قبل، متوسط العمر كان يقف بصمت بين الجموع المستقبلة، وبعدما سأل الراوي والده عن هوية هذا الشخص، ردّ والده بأنه شخص غريب اسمه مصطفى سعيد انتقل للعيش في قرية (ود حامد) قبل خمس سنوات، وقد تزوج ابنة محمود واشترى مزرعة، ولكنه بقي منعزلًا ، ولا يعرفون الكثير عنه.

لقد جاءت الرواية في وقت كانت فيه العلاقة بين الشرق والغرب علاقة استعمارية الطابع، مبنيّة على الشك وعدم الثقة، تقوم على محاولة الاستكشاف والبحث عن مساحات للتلاقي الفكري والاجتماعي من أجل الاتفاق على اتجاه إنساني لهذه العلاقة، بعيدًا عن النزاعات التاريخية، وقد نجح الروائي الطيب صالح في التمهيد لهذا الاتجاه، إذ لاقت رواية موسم الهجرة إلى الشمال قبولًا استثنائيا في الشرق والغرب، إذ تأخذ القارئ في رحلة بين المستويين الاجتماعي والثقافي في السودان الذي كان يعيش مظاهر التخلف إلى بريطانيا التي كانت تتمتع آنذاك بمظاهر التقدم والتحضر في كافة الأصعدة، وقد أثبت الطيب صالح حقيقة أن الأمم مهما اختلفت طباؤعها فإنها تتشابه على الصعيد الإنساني، كما بيّن مدى الفرق الواضح بين التقليد الأعمى للغرب الذي طالما أوقع مصطفى في المهالك، وبين أخذ الفائدة الحقيقية من تلك المجتمعات المتقدمة لخدمة السودان كما فعل الراوي، وقد عبّر عنه الطيب صالح بصراع الحضارات الذي لا يزال يُمثل الشغل الشاغل للمفكرين إلى يومنا هذا. [٢]


الشخصيات الرئيسية في رواية موسم الهجرة إلى الشمال

استعرضت رواية موسم الهجرة إلى الشمال فكرتها عن طريق ثلاث شخصيات رئيسية، عبّر كل منها عن رؤية ونظرة مختلفة للوجود، إذ ظهرت شخصية الراوي في أول الرواية، وهو الذي عاش معظم حياته بعد رحيل الاستعمار الإنجليزي، والذي مثّل الجيل الثالث في الرواية، ثم تأتي شخصية الجَدّ التي عبّرت عن بساطة المجتمع القروي التقليدي، مجتمع ما قبل التحديث وما قبل الاستعمار، ثم تأتي الشخصية الرئيسية والأكثر إثارة للتأمل فيها وهي شخصية مصطفى سعيد؛ وهو طفل يتيم الأب عاش هو وأمه وحيديْن، ثم التحق بالمدرسة والتعليم الحديث، وأظهر فيها نبوغًا وتفوقًا لافِتَين، وقد قال له ناظر المدرسة: "هذه البلد لا تتسع لذهنك"، ثم سهل ناظر المدرسة على مصطفى سعيد الدراسة في القاهرة، وكان في الثانية عشرة سنة من عمره فقط، ثم بمساعدة عائلة مستشرق إنجليزي انتقل من القاهرة للدراسة في لندن.

وفي لندن تحوّل مصطفى سعيد إلى أسطورة، وقد أبحر في الثقافة الغربية حتى ظنّ بأنه امتلكها، واستوعب كل مركّباتها وتفاصيلها في الاقتصاد والمسرح والموسيقى؛ وأجاد اللغة الإنجليزية كأبنائها، وارتاد المقاهي والحانات والأندية والمسارح، وقد كتب أيضًا العديد من الكتب، لكنّ شيئًا ما في داخله كان يبعده عن الاندماج الكامل مع ثقافة الغرب، ليُعبّر بذلك عن جيل الوسط في الرواية، وهو الجيل الذي عاش تجربة الاستعمار، ثمّ من خلال شخصيات الرواية، فُتحت أبعاد متنوعة وأسئلة متعددة، وتفاصيل مثيرة.[١]


ارتباط رواية موسم الهجرة إلى الشمال بالاستعمار

كُتبت هذه الرواية بعد الاستعمار أثناء الهجرة الأولى للجنوبيين إلى الشمال، بعد حرب أوروبا الكبرى الثانية، وقد وصف الطيّب صالح الاستعمار في روايته هذه بالجرثومة، إذ قال فيها: "الاستعمار يصبح جرثومة فتَّاكة، إذا جعلنا من أنفسنا مسرحًا لها، ونظرنا إليها على أنها قدرٌ، تحَكمَ في ماضينا، وما زال مستمرًا في الحاضر، والمستقبل".

حفلت هذه الرواية بالعنف، إذ إن الشخصية الرئيسية فيها مصطفى سعيد محاطة بالحنين إلى الشمال الذي يُمثّل الحداثة، وقد عبّر الطيب صالح عن وجود مصطفى سعيد في الرواية بأنه أداة للحداثة المتمثلة بالغرب، كما أنه الجنوب الذي يُعدّ مزودًا لهذا الغرب بالطاقات البشرية، والمواد الأولية، وغيرها، لذلك كان مصطفى سعيد مسلوب الروح في الرواية، فالهجرة لم تُشكّل خيارًا، فهي نتاج للاستعمار- الجرثومة الفتّاكة-، وعندما عاد مصطفى سعيد إلى السودان لم يجد ذاته، ولم يَعد أداة للنماء وكانت نهايته الموت غرقًا في نهر النيل، فالحداثة المتمثلة بالغرب سلبت مصطفى سعيد روحه، كما سلبت نهر النيل فاعليته، ومع هذا التطور وهذه الحداثة المبنية على أسس الاستعمار ستنضب الحياة، وتجف عروقها. [٣]


الطيب صالح

الطيب صالح أديب سوداني، ولد في الثاني عشر من تموز عام 1929م، وكانت أسرته تعمل بالزراعة في شمالي السودان في قرية كَرْمَكوْل القريبة من قرية دبة الفقراء، وهي إحدى قرى الركابية التي يُنسَب إليها، ثم انتقل إلى العاصمة الخرطوم ليتلقى تعليمه الجامعي في تخصص العلوم، وبعدها سافر إلى بريطانيا لإكمال تعليمه الأكاديمي وهناك فضّل تغيير تخصصة ليدرس العلوم السياسية، وعمل في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي).

وظل يتدرّج في السلّم الوظيفي حتى تسلّم منصب مدير قسم الدراما مكتفيًا بهذا المنصب، ليعود أدراجه إلى وطنه الأم ليعمل في الإذاعة السودانية، ثم ما لبث أن عاود السفر إلى دولة قطر ليعمل وكيلًا في وزارة الإعلام إلى جانب الإشراف على أجهزتها، ومن قطر إلى باريس هذه المرة ليعمل مديرًا إقليميًّا باليونيسكو، ثم عاد إلى الخليج العربي كممثل لليونيسكو هناك، وللطيب صالح عدد من الروايات، من أبرزها: "موسم الهجرة إلى الشمال"، و"دومة ود حامد"، و"عرس الزين"، و"ضو البيت"، و"مريود"، وقد صُنفت رواية موسم الهجرة إلى الشمال من ضمن أفضل مائة رواية عالمية، وفازت بالعديد من الجوائز، ولُقّب الطيب صالح "بعبقري الرواية العربية"، توفي عام 2009 في لندن، وقد ظل فترة طويلة في مستشفياتها يرقد للعلاج بعد أن أصيب بفشل كلوي، وقد نُقِل جثمانه إلى بلده السودان. [٤]


المراجع

  1. ^ أ ب شريف مراد، ""موسم الهجرة إلى الشمال".. وسؤال الهوية عند الطيب صالح"، midan.aljazeera، اطّلع عليه بتاريخ 2019-12-1. بتصرّف.
  2. بكر السباتين (2017-4-21)، "نقد ادبي : موسم الهجرة الى الشمال للروائي الطيب صالح"، arabvoice، اطّلع عليه بتاريخ 2019-12-1. بتصرّف.
  3. أحمد الفيتوري (2019-8-23)، "موسم الهجرة إلى الشمال"، independentarabia، اطّلع عليه بتاريخ 2019-12-2. بتصرّف.
  4. "الطيب صالح"، aljazeera، اطّلع عليه بتاريخ 2019-12-1. بتصرّف.