قدوتك في الدفاع عن الحق: الصحابية الجليلة أم سلمة

قدوتك في الدفاع عن الحق: الصحابية الجليلة أم سلمة
قدوتك في الدفاع عن الحق: الصحابية الجليلة أم سلمة

ثبات أم سلمة على الحق

أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- صحابية جليلة، وهي إحدى زوجات رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، كان لها مواقف خالدة في الثبات، والصبر، ورباطة الجأش، والحكمة، والدفاع عن الحق، وقد ثبتت أم سلمة -رضي الله عنها- على الحق وتمسّكت بدينها رغم الشدائد، وفيما يأتي بيان ذلك.


ثبات أم سلمة رغم فراق زوجها

كان أبو سلمة -رضي الله عنه- زوج أم سلمة أول من هاجر من مكة إلى المدينة، حيث كان عائدًا من هجرة الحبشة، فتعرّض للأذى من قريش، فعزم على الهجرة إلى المدينة بعدما أمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أصحابه بالهجرة إليها؛ حيث كان جماعة من أهلها قد أسلموا وبايعوا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على النصرة والدفاع عن الدين.[١]


فخرج أبو سلمة مع زوجته أم سلمة وابنهما سلمة على بعيرٍ لهما وأرادا الذهاب للمدينة، ولكنّ قوم المغيرة وهم عشيرة أم سلمة أخذوها من زوجها ورفضوا أن تهاجر معه، وظلّت في مكة صابرة ثابتة تعاني من ألم فراق زوجها وبُعدِها عنه قرابة السنة.[١]


ثبات أم سلمة رغم أخذ ابنها منها

عندما رأى بنو أسد -قوم أبو سلمة- أنّ بني المغيرة قد نزعوا أم سلمة من زوجها، جاؤوا إليها وقاموا بأخذ ابنها منها عنوةً ردًّا على ما فعله أهلها، وتصف أم سلمة -رضي الله عنها- المشهد وتقول بأنّهم عندما سحبوا ابنها منها قد خلعوا يده، وهذا يظهر مدى تعلّقها به ومحاولتها منعهم من أخذه، ولكنّها لم تتمكّن من ذلك، فظلّت تُعاني فراق الزوج وفراق الابن، وضربت بهذا أروع مثال للثبات والصبر، حتّى جاء الفرج بأنّ رقّ لها أحد أبناء عمومتها وكلّم أهلها بشأنها، فخلّوا سبيلها وأخذت ابنها والتحقت بزوجها في المدينة.[١]


استشهاد زوجها أبو سلمة وزواجها من النبي

فرحت أم سلمة بلقاء زوجها الحبيب وفرح هو بذلك، ولكنّه -رضي الله عنه- قد شارك بغزوة أحد فأصيب فيها، فعالج جرحه وظنّ أنّه قد شُفي، وشارك بغزوةٍ أخرى بعد مدّة فانفتح جرحه ومرض، وظلّت زوجته أم سلمة تعتني به وتمرّضه، وعندما شعرت أنّ زوجها مفارق لا محالة حاولت أن تعاهد نفسها أمامه ألّا تتزوّج بغيره لشدّة حبّها ووفائها له، ولكنّه طلب منها أن تتزوّج ودعا لها قائلًا: "اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلًا خيرًا منّي لايحزنها ولايؤذيها".[٢]


ومات أبو سلمة، فحزنت زوجته لفراقه حزنًا شديدًا، وتذكّرت قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم: (ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ: {إنَّا لِلهِ وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:156]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لي خَيْرًا منها، إلَّا أَجَرَهُ الله في مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ له خَيْرًا منها).[٣][٢]


فردّدت أم سلمة هذا الدعاء فكان كالبلسم على قلبها الحزين، ولكنّها استنكرت في نفسها أن يكون هناك رجل أفضل من أبي سلمة، ولمّا انقضت عدّتها تهافت عليها الخطّاب من الصحابة الكرام، ومن بينهم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكنّها كانت ترفض الزواج من أي رجل إلى أن خطبها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لنفسه، فأخبرته بأنّها كبيرة في السن ولديها أربعة أولاد، فأجابها بأنّه أكبر منها وأنّه سيضم أبناءها إليه ويرعاهم، فحصل هذا الزواج، وأبدل الله -تعالى- أم سلمة بزوجٍ هو خير من أبي سلمة وخير من جميع رجال الأرض.[٢]



مواقف تظهر حكمة أم سلمة

كانت أم سلمة -رضي الله عنها- ذات حكمةٍ وعقلٍ راجح، يشهد على ذلك مواقفها مع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، ففي صلح الحديبية رفض الصحابة الكرام أن يتحلّلوا من إحرامهم وينحروا الهدي ويحلقوا رؤوسهم بعد أن كانوا محرمين بالعمرة، فوقّع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الصلح مع قريش وكان مقتضاه أن يعود في ذلك العام دون أن يعتمروا ثمّ يُقْبِلون في العام القادم إلى مكة لأداء العمرة.[٤]


فدخل رسول الله إلى أم سلمة وهو غاضب من عدم إطاعة المسلمين لأمره بالتحلّل، فهذا أمر الله ورسوله، ومخالفته تؤدّي إلى خسران العبد وهلاكه، فأشارت عليه أم سلمة أن يخرج عليهم فلا يكلّم أحدًا منهم، ويبدأ بنحر هديه ويحلق شعره، فاستمع -صلّى الله عليه وسلّم- لما أشارت به، وكان نعم الرأي إذ أقبل الصحابة بعد رؤيتهم لفعل رسول الله على النحر والحلق.[٤]


ومن مواقفها الحكيمة أيضًا أنّه لمّا كان فتح مكة جاء أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة يريدان الدخول عليه، فرفض رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ذلك لشدّة أذاهم له، وقد أخبرته أم سلمة أنّ ابن عمّه وابن عمته يريدون لقاءه، فقال لها: (لا حاجةَ لي فيهما، أمَّا ابنُ عمِّي فَهَتَكَ عِرضي، وأمَّا ابنُ عمَّتي وصِهْري فَهوَ الَّذي، قالَ لي بمَكَّةَ ما قالَ)،[٥] فقالت له أم سلمة: "لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك"، فقبل شفاعتها بهم.[٦]



المراجع

  1. ^ أ ب ت الذهبي، شمس الدين، كتاب سير أعلام النبلاء، صفحة 258-259. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "أم سلمة هند بنت أمية "، طريق الإسلام، اطّلع عليه بتاريخ 6/7/2021. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أم سلمة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:918، حديث صحيح.
  4. ^ أ ب المقريزي، كتاب إمتاع الأسماع، صفحة 297. بتصرّف.
  5. رواه الحاكم، في المستدرك على الصحيحين، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:589، حديث صحيح على شرط مسلم.
  6. حسن بن محمد مشاط، كتاب إنارة الدجى في مغازي خير الورى صلى الله عليه وآله وسلم، صفحة 612-613. بتصرّف.

47 مشاهدة