شرح قصيدة حب الى مطرح

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٠٢ ، ٢٩ يوليو ٢٠١٨
شرح قصيدة حب الى مطرح

بواسطة: روان رضوان

 

تُعتبر قصيدة "حب إلى مطرح" من القصائد المهمة في الأدب العُماني الحديث إذ أدرجتها وزارة التربية والتعليم في المناهج واهتمَّت بتعليمها للطلاب، وتنبع أهميتها من كونها كُتبت في العقد السابع من القرن العشرين وعكسَ الشاعر فيها الحالة النفسية للشعب العُماني في تلك الفترة قبل النهضة العُمانية وقد خصَّ مطرَح بهذه الكلمات لما لهذه المدينة من مكانةٍ في التّاريخ والاقتصاد ودورها الأساسي في النهضة بثراء مينائها الشهير فقبل أن نتعرَّف على شرح هذه القصيدة فلنلق نظرة عن قرب على ولاية مطرح.

 

ولاية مطرح

تُعتبر ولاية مطرح من أهم المدن في التاريخ العُماني حيث يعود عمرها ل3000 قبل الميلاد، بالإضافة إلى أنّها تضمّ أهم ميناء في البلاد وهو ميناء السلطان قابوس الذي يعدّ العصب النابض للاقتصاد، كما يعتبر سوق مطرح الشهير أحد أقدم وأهم أسواق السلطنة فعمره يتعدى المئتي عام ويشبه إلى حدّ كبير الأسواق التراثية في المغرب وتركيا.

تعتبر مطرح أيضًا وجهة سياحية هامة في سلطنة عُمان، وسميَّت بهذا الاسم بسبب وجود مرسى السفن حيث يقال "طرحت السفينة مرساتها" أي رسَت.

 

قصيدة حب إلى مطرح مع الشرح

حين تمددت لأول مرة على شاطئك الذي يشبه قلبًا نبضاته منارات ترعى قطعانَها في جبالك الممتدة عبر البحر أطلقُ بين مقلتيك منجنيق طفولتي وأصطاد نورسًا تائها في زعيق السُفن نجومك أميرات الفراغ وفي ليل عُربك الغريب تضيئين الشموع لضحاياك كي تنيري طريقهم للهاوية أبعثر طيورك البحرية لأظل وحيدًا... أصغي إلى طفولة نبضك المنبثق من ضفاف مجهولة، تمزق عواصفها أشرعة المراكب كم من القراصنة سفحوا أمجادهم على شواطئك المكتظة بنزيف الغربان كم من التجار والغزاة مبروك في الحلم كم من الأطفال منحوك جنونهم مثل ليلة بهيجةٍ لعيد ميلاد غامض؟ القرويون أتوك من قراهم، حاملين معهم صيفًا من الذكريات مطرح الأعياد القزحيّة البسيطة والأمنيات المخمرة في الجرار، الدنيا ذهبت بنا بعيدًا وأنت ما زلت تتسلقين أسوارك القديمة وما بين الطاحونة و((المثعابْ)) يتقيأ الحطابون صباحات كاملة، صباحات يطويها النسيانُ سريعًا هذه القلاع بقيت هكذا تحاورُ أشباحًا في مخيّلة طفل، حيث بناتُ آوى يتجولْن جريحاتٍ بين ظلالها كموت مُحتمل وحيث كنا نرى عبر مسافة قصيرةٍ ثعبانًا يخْتن جبلا في مغارة لم أنسك بعد كل رحلاتي اللعينة لم أنس صياديك وبرصاك النائمين بين الأشجار حين تمددت لأول مرةٍ كان البحر يشبه أيقونةً في كف عفريت لأنه كان بحرا حقيقيًا يسرح زبده في هضاب نساء يحلُمن بالرحيل حين تمددتُ لأول مرةٍ لم أكن أعرف شيئًا عدا ارتجافة عصفورٍ في خصرك الصغير ليلة أخرى سأنام وأترك كل شيء للريح النابحة أمام بابي سأترك القلم والسجائر والمنفضة الملأى بفيالق المغول وهم يغتصبون السبايا في مدن الذاكرة سأنام وأترك كل شيء للريح والمطر الراعدُ وهو يقْرعُ نافذتي طوال الليل ويتسلل إلى نومي مثل كابوسٍ هائجٍ أو رحمةٍ إلهيةٍ.

 

تندرج هذه القصيدة فنيًا تحت مسمى قصيدة النثر وهي أحد أشكال الشعر الحديث الذي يأتي بلا وزن أو قافية وهو مختلف تمامًا عن الشعر الحرّ حيث يجمع بين الشعر والنثر على الرَّغم من تناقضهما، وقد جاءت هذه القصيدة كنموذج ممتاز لتمثّل قصيدة النثر بجميع جوانبها.

أمّا من حيث الموضوع فالقصيدة مكانية تمامًا ونستطيع تبيّن ذلك من العنوان "مطرح" حيث حاول الشاعر أن يخلق من هذا المكان الحقيقي بضعة حروف وكلمات.

نستطيع تقسيم قصيدة حب إلى مطرح إلى خمسة أقسام؛ يتحدَّث القسم الأول عن الشتات والضياع في المجهول بينما يعجّ القسم الثاني بارتباط الطفولة بالمكان ويستهلّ الأبيات بذكرياته الجميلة على شاطئ مطرح الذي يصوره بالقلب النابض كما ينقل إلينا صورة خلّابة عن ترقرق أضواء المنارات على سطح المياه وعبر الجبال الممتدة حول البحر، لكنّه ينتقل فجأة إلى الحديث عن الفراغ الذي يخلّفه النّاس بعد خلودهم إلى بيوتهم وتركه وحيدًا حائرًا فتنغزه هذه الذكرى ويتمنى التخلّص منها فمهما كانت جميلة إلّا أنّها تحمل في طياتها الكثير من البؤس والمعاناة.

في القسم الثالث يتحدَّث الشاعر عن مطرح في عين التاريخ فيخبرنا عن التجار الذين يأتونها من ضفاف مجهولة والقراصنة الذين هاجموها والغزاة الكثر الذين حاولوا النيل منها على مرّ التاريخ وتخلَّصت منهم كما تتخلَّص من كوابيسها في الأحلام.

في المقطع الرابع يتحدَّث الشاعر عن تجليات المكان الأزلية فيتحدَّث عن بساطة أهلها والتفاصيل الصغيرة التي تبهجهم كما يعقد مقارنة بين التطور في هولندا ومطرح عن طريق عقد مقارنة بين الطاحونة والمثعاب ليقدّم لنا معاناة أهل مطرح ومللهم من ذلك الروتين اليومي الذي لا يتجدد.

في المقطع الأخير يقرّ الشاعر بتقبل الوضع والتسليم بما تأتي به الأقدار فهذه الحياة مجرَّد صباحات سيطويها النسيان سريعًا..