تفسير آية الله نور السماوات والأرض

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٠١ ، ٢٢ يونيو ٢٠٢٠
تفسير آية الله نور السماوات والأرض

سورة النور

تميزت سورة النور وانفردت بافتتاحية ملفتة في قوله تعالى: {سورة أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}،[١]إذ بدأت السورة ببيان فضلها ومكانتها، فجميع آياتها محكمة وما جاءت به من أحكام واجبة العمل، فقد تفردت هذه السورة ببيان العديد من الأحكام التي أهمها: قذف المحصنات، واللعان، ومكاتبة الرقيق، والحث على الزواج وأحكامه، وغض البصر، والزيارة والاستئذان، واللباس والزينة، فجميع هذه الأحكام التي تنظم الحياة الاجتماعية بين المسلمين جاءت وأكدت عليها آية محورية، إذ قال الله تعالى: {اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[٢]، وقد قال العالم سيد قطب عن هذه الآية الكريمة: "أشعل الفتيل حتى تنور المجتمع"، وهذه الآية العظيمة هي ما سنفصله في بقية فقرات المقال بإذن الله تعالى.[٣]


تفسير آية الله نور السماوات والأرض

شبه الله تعالى في هذه الآية الإيمان الذي يتحلى به المؤمنون بالمشكاة التي فيها مصباح، والمشكاة هي مكان مسدود كانت في الماضي تُبنى في الجدار ليُوضع فيها المصباح، فالعبد عندما يؤمن بالله ورسوله سيصبح قلبه مليء بنور الإيمان وبقراءة القرآن ومعرفة أحكامه فصار نور على نور، وهنا لا بد من معرفة أن النور في الآية لا يعني الضوء، فاعتبار النور هو الضوء هو أمر لا يليق بجلال الله وعظمته، فليس كمثله شيء، فالمراد من النور هو أمر مضاف إليه أي الهداية، فالنور أي الضوء هو من خلق الله بدليل قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}،[٤]فكلمة "جعل" في الآية تعني خلق، فخالق الشيء لا يشبهه، فأجمع العلماء بأن المقصود بالنور هو الهداية، فالله تعالى هدى أهل السموات (الملائكة) والمؤمنين من أهل الأرض، وفيما يأتي توضيحًا لما جاء في الآية:[٥][٦]

  • الله نُورُ السماوات والأرض: وفيها تعريف بأثر الله فينا، فهو من ينير السموات والأرض، فهما أكثر شيء يمكن أن يتصوره الإنسان، وفيها كل شيء واضح جلي غير مخفي من هذا النور الذي يهدي فيه الله أهل السموات وأهل الأرض من المؤمنين.
  • مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ: يضرب الله المثل التوضيحي لنوره، فنوره كالمشكاة التي فيها مصباح، فالمشكاة تحجز الضوء وتجمعه في منطقة محدودة فيصبح قويًا، ولا يحدث ظل لمسار الضوء.
  • المصباح فِي زُجَاجَةٍ: فالمصباح الذي يُحدث الضوء يبقى مشتعلًا، وفي حال ظل فتيله في الهواء حرك وبدد ضوءه وأحدث دخانًا، فُجعل على الفتيل حاجزًا وهي الزجاجة، فيصبح صافيًا لا دخان فيه.
  • الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ: فالزجاجة ليست زجاجة عادية فهي كالكوكب الدري، أي من الدر الذي ينير نفسه.
  • يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ: زيت مصباح الزجاجة من شجرة مباركة، وهذه الشجرة هي شرقية وغربية في نفس الوقت، فشجرة الزيتون عندما تكون في الشرق يكون الغرب مظلمًا، والعكس صحيحًا عندما تكون في الغرب يكون الشرق مظلمًا، وعليه فهي تتعرض للنور والظلمة فلا يُحجب عنها الضوء، ومن المعروف أن هذا يؤثر على صفاء زيتها.
  • يضيء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ: أي أنه لشدة نقاء زيتها وصفائه ولمعانه يُضاء حتى وإن لم تمسه النار.
  • نُّورٌ على نُورٍ: وهو النور الذي جاء به الرسل، أي المنهج الذي ينور لنا طريقنا في الحياة وما جاءت به تفاصيل ودقائق الأحكام الربانية في الحياة.
  • يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ: وهو نور المنهج الذي يبين التكاليف، وأن الكفار الذين لم يهتدوا بهذا النور فقد يهتدوا بالنور الملموس الحسي، ولكنهم لم يهتدوا بالنور المعنوي المقصود في الآية، فالله تعالى يرشد إلى هدايته من يختاره.
  • وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ: فالله يضرب هذه الأمثال للعظة والعبرة، فختم الله تعالى الآية بها، فهو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال.


رؤية علمية في آية الله نور السموات والأرض

يشبه الله في الآية نوره بالنور المُحدث من المصباح الذي وقوده الزيت، واللافت في اكتشاف العلماء منذ عدة سنوات يفيد بأن ثمة ترددات تطلقها جميع الأشياء في هذا الكون، ومن ضمنها جسم الإنسان أيضًا، وقال أحد العلماء أن الأغذية فيها ترددات كهربائية مغناطيسية يمكن أن تُقاس، وأن الزيت يمتاز بأعلى هذه الترددات والتي قياسها يتقارب مع ترددات الضوء التي هي 320 ذبذبة في الثانية، فسبحان الله الذي خصّ الزيت بهذه الميزة دونًا عن جميع المخلوقات، وأن الزيت بحسب الأبحاث فيه طاقة كبيرة جدًا، وفيه شفاء لأكثر من 100 مرض أههما السرطان.[٧]

وكما ذكرنا آنفًا فإن العلماء أجمعوا بأن النور المذكور في الآية هو هداية الله لعبيده والذي يأتي بتطبيق شرع الله، فالإنسان عندما يطبق شرع الله يتبع أوامره ويجتنب نواهيه، فهذا كفيل بنقله إلى نور الله، وما يعمل من أعمال صالحة في دنياه أيضًا ستقوده إلى هذا النور الرباني، فسبحان الله تجد البعض من المؤمنين وجهوهم منيرة بهذا النور، ففي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.[٨][٩]


فضائل سورة النور

نزلت سورة النور في محور تربوي يبين الحدود والأحكام الشرعية، فتصل لقلب المؤمنين بنور الله ما بين اللين والشدة، ففيها من الآداب النفسية الخاصة بالفرد والأسرة والمجتمع التي تنبع من وعاء واحد وهي العقيدة التي تتصل بنور الله سبحانه وتعالى، وقد بين العلماء بأن تسميتها بسورة النور كان لعدة أسباب اجتهدوا فيها، فالأول لكثرة لفظ النور فيها، والثاني لأن النور هو أحد أسماء الله سبحانه وتعالى، والثالث لأنها تنير طرق الحياة في المجتمع، بالإضافة لسبب آخر وهو أن السورة فيها من الآيات التي كشفت ظلامًا شديدًا، وقد نزلت سورة النور المدنية منجمة أي في أوقات وأحداث مختلفة، فآية النهي عن الزنا نزلت في الفقراء من المهاجرين عندما قدموا إلى المدينة وهمّوا بأن يتزوجوا من بغايا أهل المدينة، وآية قذف المحصنات يرجح بأنها نزلت وارتبطت بحادثة الإفك، أما آيات اللعان فقد نزلت في "هلال بن أمية" و"عمير العجلاني"، وهما حادثتان حصلتا في أوقات متقاربة، والآيات التي نزلت في حادثة الإفك عندما رمى أحد المنافقين أم المؤمنين عائشة وكذب عليها، بالإضافة لآيات المكاتبة والنهي عن البغاء، وأخيرًا آيات الاستئذان عند الرسول وعدم مخالفة أوامره التي نزلت وقت حفر الرسول صلى الله عليه وسلم للخندق.[٣]


المراجع

  1. سورة النور، آية: 1.
  2. سورة النور ، آية: 35.
  3. ^ أ ب "القيم االجتماعية والتربوية في سورة النور"، qou، اطّلع عليه بتاريخ 21-11-2019. بتصرّف.
  4. سورة الانعام ، آية: 1.
  5. "تفسير السورة"، al-eman، اطّلع عليه بتاريخ 21-11-2019. بتصرّف.
  6. "تفسير الله نور السموات والأرض"، alsunna، اطّلع عليه بتاريخ 21-11-2019. بتصرّف.
  7. "يكاد زيتها يضيء: رؤية علمية جديدة"، kaheel7، اطّلع عليه بتاريخ 21-11-2019. بتصرّف.
  8. سورة التحريم، آية: 8.
  9. "(024) سورة النور"، nabulsi، اطّلع عليه بتاريخ 21-11-2019. بتصرّف.