السلطة التقديرية للقاضي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٤٨ ، ١٨ أبريل ٢٠١٩
السلطة التقديرية للقاضي

السلطة التقديرية للقاضي

القضاء هو ميزان العدالة عند الأخذ بعين الاعتبار قوانين الدستورية التي تحكم البلاد، إذ توزع الادعاءات والجنح على المحاكم استنادًا إلى قدرة الهيئات الحاكمة على الإرسال الأثيري في تلك القضايا وفق تعقيداتها وإصدار القرارات العادلة، وكمبرر؛ رخص للقضاة نوعًا ما اتخاذ الأحكام التي تؤدي للأحكام الختامية الصادرة عنهم بناءًا على تقديراتهم الشخصية للحكم الأنسب، وذلك ما يطلق عليه بالسلطة التقديرية للقاضي، وبمفهوم أعمق يمكن توضيح مفهوم السلطة التقديرية للقاضي بأنها مقدرة القاضي على المعايرة بين الأوضاع الواقعية الحقيقية للحالة المعروضة عليه والعقوبة التي يقررها بخصوصها، وتعد السلطة التقديرية وسيلة من الوسائل التي تدخل في ممارسة الحكومة لإيقاع العقوبة بالمذنب، فمجال التقييم لا يكون سوى استعمال للسلطة، وهذا عندما يرخص التشريع للسلطة بحرية التقييم، فالنظام العقابي يحدد كمية الجزاء بصورة مطلقة، أي أنه يكون لكل جناية حصيلة كمية من العقوبة، وليس للقاضي أن يحكم إلا عندما تثبت الإدانة على المدعى عليه، وهو نسق قد عفا عليه الزمن، لأنه لا يستجيب إلى مقتضيات العدالة التي تحتاج إلى تناسب دقيق بين نوع الجزاء ومقداره وطريقة تطبيقه من جهة، وظروف الجاني والجريمة من جهة أخرى، لهذا فقد حل محله نسق الجزاءات المتجاوبة التي تحدد ضمن محيط محدد يكون لكل منها حد أعلى وأدنى.[١]


منح القاضي السلطة التقديرية

السلطة التقديرية تمارس في مختلف أوقات فترات الدعوى الجزائية، وقد ذهب قلة من المفكرين إلى أن السلطة التقديرية من الممكن أن تؤدي إلى الاستبداد والإجحاف، وخصوصًا إن لم تكن هناك ضوابط تنظمها، بينما يعدها مفكرون آخرين مرغوبًا فيها ولكنها ليست لازمة، وهذا لأجل أن تمنع الإجحاف، لهذا كان لا مفر من مواجهة العوامل الموجودة تجبر على الأخذ بتلك السلطة، ومن هذه العوامل اختلاف دوافع الجاني وظروفه عن غيره من الجناة، وهو ما يستدعي اختلاف معاملته العقابية بما يكفل تقصي أغراض العقوبة المتمثلة بالردع المخصص، وبعبارة أخرى إعداد وتدريب وإصلاح المجرم بواسطة دفعه لمقاومة الدوافع الإجرامية الكامنة في شخصيته، وهذا ما يسمى بتفريد العقوبة، أي جعل العقوبة متناغمة مع كل شخصية إجرامية تعرض على القاضي، وقد برزت صور التفريد العقابي بوضوح في أعقاب ظهور حركة حقوق الإنسان الجديدة التي تميزت بالطابع الإنساني والتي ركزت على ضرورة مكافحة ظواهر الإجرام من خلال إزاحة أسبابها في المجتمع، ويعد هذا من أهم واجبات الحكومة.[٢]


ضوابط منح القاضي السلطة التقديرية

لمنح القاضي سلطة قضائية لممارسة حريته في تقرير الأحكام، لا بد من توفر بعض الضوابط المهمة، وهي:[٣][٤]

ضوابط موضوعية

المنحى الموضوعي للجريمة هي الأدوات العينية فيها، والأدوات العينية الإجرامية من حيث ضررها وخطورتها تقبل التراتبية والتدرج، ومقابل تراتبيتها حسب الخطورة نجد تراتبية العقاب في حجم عدم مشروعية النشاط الإجرامي، وبالنظر إلى الضرر الناجم يمكن تحديد ضوابط قياس حجم الجريمة بما يجيء تاليًا:

  • جسامة الاعتداء على الحق: الجناية في جوهرها اعتداء على حق أو إيقاع مظلمة قدَّر الشارع جدارتها بالحماية الجنائية، والاعتداء الذي تحدثه جناية محددة لا تتشابه درجة جسامته من وضعية إلى أخرى، مثلما أن الضرر المترتب عليها لا تتشابه جسامته من وضعية إلى أخرى، فالأمر هنا يقتضي من القاضي أن يجعل من درجة جسامة الاعتداء مقياسًا يحدد على أساسه كمية العقوبة بحق الجاني.
  • أسلوب تطبيق التصرف الإجرامي: يأخذ القاضي بعين الاعتبار عند تقييم العقوبة والجزاء الكيفية الذي اعتمدها الجاني في تطبيق اعتدائه، مثال هذا: نطاق العنف الذي اتصف به أثناء تنفيذ جنايته، كالضرب أو الجرح، كذلك حجم القسوة الذي أبداه عند الاستيلاء على حقوق الناس بالإكراه، فكل تلك الاعتبارات ترشد القاضي نحو استخدام سلطته التقديرية في تحديد الجزاء الملائم.
  • العلاقة بين الجاني والمجنى عليه: يأخذ القاضي أيضًا بعين الاعتبار موقف المجنى عليه وعلاقته بالجاني، فإذا كانت الجناية قد احتوت على إخلال الجاني بالثقة الممنوحة له، فان هذا يميل بالعقوبة إلى التشديد.


الضوابط الشخصية

الضوابط الشخصية متعددة، ومنها ما يرتبط بالركن المعنوي للجريمة، فيحدد كمية ما انطوت عليه الإرادة الإجرامية للمتهم من إثم، ومنها ما يحدد حجم نصيبه من الأهلية للمسؤولية الجنائية، وفيما يجيء أكثر الضوابط الشخصية أهمية:

  • حجم ما تحتويه نفسية المجرم من إثم: إذ يتعين على القاضي أن يأخذ بعين الاعتبار الركن المعنوي للجريمة وكمية ما ينطوي عليه من إثم، وينطوي الركن المعنوي للجريمة على صورتين، الأولى صورة الغرض الجنائي، والثانية صورة الخطأ غير العمد.
  • نطاق توفر مكونات المسؤولية الجزائية عند المدعى عليه: تقوم المسؤولية الجزائية على عنصري الوعي وحرية الاختيار، وعلى ذلك فإن فقدانهما أو خسارة أحدهما يترتب عليه عدم مساءلة الجاني؛ ذلك لتوفر عائق من موانع المسؤولية الذي يحول دون تلك المساءلة نحو توفر شروطها الأخرى.
  • نطاق ما تحتويه شخصية المجرم من خطورة إجرامية: يأخذ القاضي بعين الاعتبار نحو تقييم الجزاء كمية ما تحتويه شخصية الجاني من خطورة وخلفيات إجرامية، والوسط الذي يعيش فيه وسيرته السابقة، من حيث كونه معتادًا على الإجرام أو لا، فكل هذا له أثر عظيم في تحديد شخصية الجاني وعوامل إجرامه وتكشف عن نطاق خطورته.


سلطة القاضي التقديرية في تحديد العقوبة

إن سلطة القاضي الجنائي في تحديد الجزاء تتسع وتضيق تبعًا لسياسة الشارع في إخطار الجزاء المقرر للجريمة، وتتمثل السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في تحديد الجزاء في نطاق ما يتيح له التشريع به من اختيار لنوع الجزاء والتدرج فيه، ضمن المدى المحدد لعقوبة كل جناية على حدة، فيتناسب نطاق سلطة القاضي في تحديد الجزاء تناسبًا طرديًا مع ما يحدده المشرع من ثبات أو نسبية اتساع الحيز الفاصل بين نطاق الجزاء مع ما يعينه من أشكاليات الجزاءات لكل جناية قانونية، وللقاضي الجنائي السلطة في تقييم هذا الجزاء.[٥]


المراجع

  1. دليلة مباركي، "السلطة التقديرية للقاضي"، مجلة الاجتهاد القضائي، اطّلع عليه بتاريخ 12-3-2019.
  2. حمودي الجاسم (1963)، شرح قانون العقوبات البغدادي (الطبعة الأولى)، بغداد: مطبعة الإرشاد، صفحة 437.
  3. علي الخلف (1968)، الوسيط في شرح قانون العقوبات (الطبعة الطبعة الأولى)، بغداد: مطبعة الزهراء، صفحة 754.
  4. جنان سكر (1972)، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون، بغداد: جامعة بغداد، صفحة 311,314.
  5. أكرم إبراهيم (1965)، الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تقدير العقوبة (الطبعة الطبعة الاولى)، القاهرة: دار مطابع الشعب، صفحة 56,57,58,59.