الحكمة في شعر أبي تمام

بواسطة: - آخر تحديث: ٢٠:٠٦ ، ١٤ أبريل ٢٠١٩
الحكمة في شعر أبي تمام

أبو تمام الطائي

هو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس الطائي، المكنى بأبي تمام، شاعر وأديب وأحد أمراء الحكمة في الشعر، ولد في حوران في سوريا عام 804 م، وما أن شبّ شبابه حتى رحل إلى مصر لطلب العلم اللغوي، ثم استدعاه الخليفة العباسي المعتصم إلى بغداد، فأكرمه وقدمه على شعراء عصره، فأقام ببغداد مدة من الزمن، ثمّ تولى أمر بريد الموصل، فلم يدم على هذه الحال سنتين من عمره حتى وافاه الأجل في الموصل عام 846 م، ودفن فيها. كان أبو تمام طويل القامة، أسمر البشرة، ذا فصاحة منقطعة النظير، عسل الكلام، وكانت شخصيته مؤثرة تأسر القلب، ومن أبرز صفاته: أنه كان صاحب ذكاء حاد، وكان حدسه قويًا؛ فكان يشعر بالشيء قبل وقوعه، كما كان حاضر البديهة، قوي الإقناع، سريع الرد بالحجج والبراهين.[١]


سمات شعر أبي تمام

أبو تمام من شعراء الذين أحدثوا في آداب الشعر المستحدثات من معانٍ، وألفاظ، وبيان، وقد بزغ نجمه في عصر انتشار حركة الترجمة الواسعة لعلوم السابقين من اليونان والفرس والهنود، فأخذ ينهل من هذه العلوم والثقافات الكثير، وبدأ يقتات من أطرافها ومن بين سطورها حتى غُذّي عقله واتسع خياله، ووضع لنفسه طريقة مذهبية خاصة به رسم أبعادها بدقة، وكان أساس طريقته التي بناها عليه هو تقديم تجويد المعاني على اختيار الجمل الركيكة، أو بمعنى آخر قدّم المعاني على الألفاظ، فأكثر من الحكم الفلسفية في شعره، وبرهن على الأمور بحجج تخاطب العقل وتتسم بالمنطق والأصول، وهذا ما أدى به إلى التعقيد في شعره، إلا أنه أخفى هذا التعقيد باستخدام المحسنات البديعية والصور البيانية، فزيّن الكلمات بلباس علم الكلام، وهو بذلك مهد الطريق أمام الشعراء من بعده لكتابة الشعر الذي يغلب عليه العقل والمنطق والحكمة، وقد بدا جليًا للأدباء والشعراء في كل العصور أنّ شعر أبي تمام تميز بطابعه الفلسفي العقلي المبني على الحكمة العقلية، التي هوى بها على المعاني فلا تكاد تدرك إلا بكد الذهن، وكان يلجأ كلما ضاق مجال الفن في شعره إلى تقنية التوسعة الرمزية؛ بمعنى إخراج الألفاظ من إطار المجال اللفظي لتحتمل أكثر من معنى، وكأنه يفتح أبوابًا أخرى لزيادة المعاني، وخلق الظروف التي تعطيه التمدد والتجدد فلا يمكن حصر سعتها. كون أبي تمام لم يعشْ إلا اثنين وأربعين عامًا فقط فإن حجم هذه الثقافة لديه لم يكن وليد صدفة أو فراغ، وإنما لا بد أن تكون لديه من المؤهلات العقلية ما يستوعب مثل هذه الثقافة الغناء، وأول هذه المؤهلات هو ذكاء عقله وقوة حفظه، ومدى شغفه النفسي للتعلم والمعرفة، ما جعل من حجم ثقافة الرجل وماهيتها شيئًا مثيرًا للإعجاب يشهد عليها الشعراء والأدباء من كل زمان.[٢]


المآخذ على شعر أبي تمام

يرى نقاد الشعر عبر الأزمنة أنّ شعر أبو تمام لا يخلو من عيوب ومآخذ، ومنها:[٣]

  • مستوى الكلمة، حيث النص الشعري بنية أساسية تشتمل على مجموعة من الجزئيات التي لا يأخذ الشعر شكله ومضمونه في غيابها، وهي البنى الصوتية، واللفظية، والتركيبية، والمجازية، التي يصعب نقش صورة في الذهن لنص أدبي شعري دونها، ومن هذه البنى ما ظهر واضحًا في شعر أبي تمام الفلسفي، وعلى وجه الخصوص ما وجِّه إليه من اتهامات ومعايب تتعلق بسياقات اللفظ المفرد، وبعضها بالتركيب، وبعضها بالصورة الفنية عنده.
  • مستوى الصورة، تركزت أنظار نقاد الشعر القدماء على الصور الشعرية في شعر أبو تمام، وألقوا بالكثير منها بين المعايب والمآخذ والذم، والقصد في الصورة الشعرية هو التصوير الجزئي من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز، وقد أيقن الشعراء القدماء أنّ هذه الصور الجزئية في شعر أبي تمام مبالغ فيها، وهذا المستوى يكشف عن عمق فهم القدماء للّغة وثقافاتها واستعمالاتها، ومنحوها حيزًا وافيًا في معاييرهم النقدية.
  • مستوى الإيقاع، الشعر بمفهومه المعروف أنه تنظيم لأنساق متشابهة من أصوات اللغة العربية، ويعني هذا التنظيم أنّ الشعر هيكل لأصول الأصوات اللغوية التي تتنوع حالاتها، وتنظم بطريقة منتظمة ينتج عنها الإيقاع المميز، وهذه في ضالة الشعر الأساسية، ويرى النقاد الاختلاف الواضح في الإيقاع عن الوزن في قصائد أبي تمام، وهو اختلاف الحركات والسكون في القصيدة على نحو غير منتظم.
  • المبالغة في الغلو، إنّ المبالغة في الوصول بالكلام إلى أن يبلغ المعنى إلى أقصى وظائفه تطغى على تغييب المعاني أدنى منزلة بالنسبة إلى اللفظ، فيجد النقاد في شعر أبي تمام أنه بالغ في غلوه دون الموازنة فيه، ليتجاوز بهذا الغلو حدود الواقع الشعري في العصر العباسي، على الرغم من أن الغلو في الشعر ظاهرة قديمة منذ العصر الجاهلي، إلا أن الشعراء لم يكثروا من استخدامه.


الدواوين الشعرية لأبي تمام

ومن الدواوين الشعرية التي كتبها أبو تمام:[٤]

  • ديوان الحماسة، ديوان شعري مُقسّم عشرة أبواب على الترتيب، وهي: الحماسة، والمراثي الأدبية، والنسيب، والهجاء، والأضياف، والمدح، والصفات، والسير والنعاس، والملح، ومذمة النساء، وضم الديوان إحدى وثمانين وثماني مئة قصيدة ومقطعة شعرية لشعراء من الجاهلية، والإسلام، ومخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، وبعض الشعراء المعاصرين.
  • كتاب الوحشيات، ويُعرَف بالحماسة الصغرى، وهذا هو الكتاب الثاني من كتب الاختيارات التي ألفها أبو تمام؛ وهي مجموعة كبيرة من المقطعات الشعرية التي اختارها بذوقه وعلمه وخبرته بالشعر جيده ورديئه، ويبدو أنه هو الذي أسماها الوحشيات؛ لأن هذه المقاطيع أوابد وشوارد لا تُعرف عامة، وأغلبها للمقلين من الشعراء أو المغمورين منهم.


المراجع

  1. "ابو تمام"، المكتبة الشاملة، اطّلع عليه بتاريخ 16-3-2019.
  2. 27-1-2018 (16-3-2019)، "أبو تمام الطائي حياته ومذهبه الشعري"، ديوان العرب.
  3. الأصفهاني (2008)، كتاب الأغاني (الطبعة الأولى)، بيروت: دار صادر، صفحة 265-293/16، جزء 3.
  4. الجاحظ (1985)، البيان والتبيين (الطبعة الرابعة)، القاهرة: الخانجي، صفحة 263-279، جزء 1.