الثبات على المبادئ

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:٢٤ ، ٢٦ يوليو ٢٠١٨
الثبات على المبادئ

تتجلّى فطرة النّفس البشرية بطبيعتها على معرفة الصَّواب باتباع طريق الحقّ، ومعرفة الخطأ وتجنبه. بمرور الأزمان وتعاقب الأيام، تخضع الفطرة السليمة التي جبل الله الخلق عليها للتَّغيير والتّبديل، فكل منا يتأثّر بطريقة مختلفة يحكمها عوامل عدة. فقد يتربّى الإنسان في مجتمع يعزز المكارم والأخلاق التي أودعها الله في خلقه. وعلى العكس من ذلك، فربما ينشأ في بيئة مجتمعية تنقله بعيدًا عن فطرته إلى دركات الجهل وانحطاط في الأخلاق. فهو في كل من الحالتين إما أن يعزز المبادئ والقيم التي توافق فطرتنا وإما أن تتزعزع هذه المبادئ وتنحل من كيان الشخص ووجوده.

المبادئ: مفردها مبدأ، مبدأ الشيء: أوّله ومادّته التي يتكوَّن منها، كالنَّواة مبدأ النَّخل؛ أو يتركَّب منها، كالحروف مَبْدأ الكلام.

والمبادئ: مُعْتَقَد؛ قاعدة أخلاقيّة أو عقيدة يلتزم بها المرء في سلوكه.

نعيش في زمان طغى فيه الشَّر على الخير، وانتشرت فيه الفتن والمظالم، وساد فيه القويُّ على الضَّعيف، وقلَّ فيه الصالحون المصلحونَ، أصحاب القيم النَّبيلة، من يسيرون على هدى الله، ويقتدون بسيرة خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان لزامًا على المربّين التنبُّه إلى هذه الأمور في إعدادهم لجيل واعٍ، وتنشئتِهم النشأة السّليمة، وغرس المبادئ والقيم الحميدة التي توافقُ الفطرة، وتوافق منهجَ الإسلامِ السَّويَّ الصحيحَ.

يدور محور التّربية في المجتمعات على اختلاف ثقافاتها وأديانها حول الطّفل والأسرة. فالأسرة هي النواة الأولى في أي مجتمع، وهي الركيزة الأساسيَّة واللبنة التي بها وعليها يقع صلاح المجتمع ونهوضه وتطوّره. يولد الأطفال بعقول سليمة، وقلوب نقيَّة، لا تعرف الكذب والغش والخداع، فهم أشبه بالصلصال، تشكله كيفما شئت. فكلّ ما يراه الطفل من تصرفات من البيئة المحيطة ويدركه، يبدأ ينغرس شيئًا فشيئًا ليصبح من طبيعته، فيكبر على ما نشأ من مبادئ وقيم. فبطبيعة الحال إن أردنا أن نربي جيلًا ذو أخلاق حميدة، يثبت على مبادئه، ولا تتزحزح قيَمُه مهما علت ريح الفتن، وانتشر الفساد والمفسدون، فلا بد من إعداد الأسرة والمدرسة والجامعات، والمربون في مختلف القطاعات، بأساليب التربية التي تحقق هذه الغاية.

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، : "لا تربوا أبناءكم كما رباكم أباؤكم، فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم". ما رُبِيَ عليه أجيال أبائنا، لا يصلح لجيلنا في زماننا هذا، وهكذا الأمر في تتابع الأجيال، فلكل منهم ما يَصلح له ويُصلحه.

وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أدّبوا أولادكم على ثلاثة خصال : حبِّ نبيكم، وحب آل بيته، وتلاوة القرآن)). يرشدنا حبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى تأديب الأبناء بتحلّيهم بهذه الخصالِ، فحبّ النبي وآل بيته يكون باتباعهم واتخاذ القدوة الحسنة في حياتهم، فمن أطاع الرسول فقد اهتدى. وذُكِرَ القرآن كوسيلة لتربية الأبناء، فهو كلام الله المنزل، فمن حفظ كتاب الله وعمل به، جعله الله له نورًا يمشي بين العباد.

إذا حَسُنت التربيّة، ونشأ الجيل التنشئة الصالحة، كان ذلك مدعاة للثبات على المبادئ. وضرب لنا الصحابة الكرام أروع الأمثلة في الثبات، في أصعب الظروف والأحوال، نذكر منها قصة آل ياسر. فبعدما أسلم عمار بن ياسر وأبيه وأمه سمية، علم بنو مخزوم بإسلامهم، فأذاقوهم من صنوف العذاب والأذى بشتى أنواعها أيامًا عديدةً، فلم يَرُدَّهُم ذلك عن دينهم شيئًا، وكانت قد توفّيت والدةُ عمار وأبيه من شدة ما لاقوا من العذاب. وفيهم قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة".

ودعا الله سبحانه وتعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للثبات في أول الأمر ليقتديَ به من خلفَهُ، ولعباده المؤمنين بعدها في مواطن عدة، فقد دعاهم للثّبات في سبيل الحق والدعوة إليه سبحانه، وتحمّل أذى المشركين والصبر على ذلك. كما حثهم الله في كتابه العزيز على الثبات في أرض المعركة وعدم التّزحزح والصمود في وجوه الكافرين، فقال سبحانه في محكم التنزيل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا اللّه في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتوكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم.(1).